مقالات فلسفية ادبية و علمية

الإحساس الإدراك
مقالة جدلية حول الإحساس الإدراك بين الظواهرية والقشطالت
السؤال يقول : هل الإدراك تجربة ذاتية نابعة من الشعور أم محصلة نظام الأشياء ؟
المقدمة : طرح الإشكالية
يتعامل ويتفاعل الإنسان مع عالمه الخارجي بما فيه من أشياء مادية وأفراد يشكلون محيطه الاجتماعي , يحاول فهم وتفسير وتأويل ما يحيط به وهذا هو الإدراك , فإذا كنا أمام موقفين متعارضين أحدهما يربط الإدراك بالشعور (الظواهرية ) والأخر بنظام الأشياء (القشتالت ) فالمشكلة المطروحة : هل الإدراك مصدره الشعور أم نظام الأشياء
التحليل : محاولة حل الإشكالية
عرض الأطروحة الأولى
ترى هذه الأطروحة الظواهرية أن الإدراك يتوقف على تفاعل وانسجام عاملين هما الشعور والشيء المدرك , وحجتهم في ذلك أنه إذا تغير الشعور يتغير بالضرورة الإدراك ومن دعاة هذه الأطروحة هوسرل وهو مؤسس مذهب الظواهرية حيث قال << أرى بلا انقطاع هذه الطاولة سوف أخرج وأغير مكاني عن إدراكي لها يتنوع >> وهكذا الإدراك يتغير رغم أن الأشياء ثابتة والإدراك عندهم يكون أوضح من خلال شرطين ( القصدية والمعايشة ) أي كلما اتجه الشعور إلى موضوع ما وإصل به يكون الإدراك أسهل وأسرع وخلاصة هذه الأطروحة عبر عنها ميرلوبونتي بقوله << الإدراك هو الإتصال الحيوي بالعالم الخارجي >>
النقد : من حيث المضمون الأطروحة بين أيدينا نسبية لأنها ركزت على العوامل الذاتية ولكن الإدراك يحتاج إلى العوامل الموضوعية بنية الشيء وشكله ولذلك نقول إنها نسبية أيضا من حيث الشكل
عرض الأطروحة الثانية ترى هذه الأطروحة أن الإدراك يتوقف على عامل موضوعي ألا وهو ( الشكل العام للأشياء ) أي صورته وبنيته التي يتميز بها وحجتهم في ذلك أن تغير الشكل يؤدي بالضرورة التي تغير إدراكنا له وهكذا تعطي هذه الأطروحة الأهمية إلى الصورة الكلية وهي هذا المعني قال بول غيوم* << الإدراك ليس تجميعا للإحساسات بل أنه يتم دفعة واحدة >> ومن الأمثلة التي توضح لنا أهمية الصورة والشكل أن المثلث ليس مجرد ثلاثة أضلاع بل حقيقية تكمن في الشكل والصورة التي تكمن عليها الأضلاع ضف إلى ذالك أننا ندرك شكل اٌلإنسان بطريقة أوضح عندما نركز على الوجه ككل بدل التركيز على وضعية العينين والشفتين والأنف وهذه الأطروحة ترى أن هناك قواعد تتحكم في الإدراك من أهمها التشابه ( الإنسان يدرك أرقام الهاتف إذا كانت متشابه ) وكذلك قاعدة المصير المشترك إن الجندي المختفي في الغابة الذي يرتدي اللون الخضر ندركه كجزء من الغابة , وكل ذلك أن الإدراك يعود إلى العوامل الموضوعية .
النقد: صحيح أن العوامل الموضوعية تساهم في الإدراك ولكن في غياب الرغبة والاهتمام والانتباه لا يحصل الإدراك , ومنه أطروحة الجاشطالت نسبية شكلا ومضمونا .
التركيب : إن الظواهرية لا تحل لنا إشكالية لأن تركيز على الشعور هو تركيز على جانب واحد من الشخصية والحديث على بنية الأشياء يجعلنا نهمل دور العوامل الذاتية وخاصة الحدس لذلك قال باسكال << إننا ندرك بالقلب أكثر مما ندرك بالعقل >> وكحل الإشكالية نقول الإدراك محصلة لتفاعل وتكامل العوامل الذاتية مع العوامل الموضوعية فمن جهة يتكامل العقل مع التجربة الحسية كما قال كانط ومن جهة أخرى يتكامل الشعور مع بنية الأشياء.
الخاتمة:
وخلاصة القول أن الإدراك عملية معقدة ينقل الإنسان من المحسوس إلى المجرد فالمحصلة فهم وتفسير وتأويل وقد تبين لنا أن مصدر الإدراك إشكالية اختلفت حولها أراء الفلاسفة وعلماء النفس ويعد استعراض الأطروحتين استخلاص النتائج نصل إلى حل الإشكالية
الإدراك محصلة للتفاعل وتكامل العوامل الذاتية مع العوامل الموضوعية.

الإحساس والإدراك
المقدمة ( طرح الإشكالية)
يتعامل ويتفاعل الإنسان مع الأشياء في العالم الخارجي وكذلك مع الأفراد ويتلقي الكثير من المنبهات التي يستجيب لها من خلال الفهم والتفسير والتأويل وهذا هو الإدراك غير أن طبيعة ومصدر الإدراك عرف جدلا واسعا بين مذهبين (العقلي و الحسي) والسؤال الذي يعبر عن ذلك هل أساس الإدراك الحواس أم العقل؟
التحليل"
عرض الأطروحة الأولى :
تري هذه الأطروحة أن الإدراك يتوقف على نشاط الذهن أي كل معرفة ينطوي عليها الإدراك مصدرها العقل وليس الحواس هذا ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي هاجم الإحساس بقوله << إني وجدت الحواس خداعة زمن الحكمة ألا نطمئن لمن خدعونا ولو مرة واحدة >> ومن الأمثلة التوضيحية أن التمثال في أعلى الجبل تراه من الأسفل صغيرا أما إذا صعدت فإنك تراه كبيرا وشيد ديكارت الإدراك على العقل ووظيفته اكتشاف أخطاء الحواس وتصحيحها ومن أنصار هذه الأطروحة الفيلسوف ألان الذي قال << الإدراك معرفة مسبقة فمن يدرك جيدا يعرف مسبقا ما يجب فعله >> إن الصياد يدرك الحل الصحيح وينجح في اصطياد فريسته بفضل التخطيط المسبق والطفل الصغير يفشل لأن عقله لم يصل بعد إلى القدرة التخطيط فالإدراك مصدره العقل
النقد :
هذه الأطروحة أرجعت الإدراك إلى العقل لكن العقل ليس معصوم من الخطأ.
عرض الأطروحة الثانية:
ترى هذه الأطروحة (المذهب الحسي ) أن مصدر الإدراك هو التجربة الحسية أي هو كل معرفة ينطوي عليها الإدراك , مصدره الإحساس وحجتهم في ذلك أنه من فقد حاسة فقد معرفة ومن الأمثلة التوضيحية أن الكفيف لا يدرك حقيقة الألوان وهذا يوضح أن الإدراك يستلزم وجود الحواس التي هي نوافذ المعرفة وبها نتعرف على العالم الخارجي ومن أنصار هذه الأطروحة دافيد هيوم الذي رأى أن مبادئ العقل مكتسبة وليست فطرية وفي هذا المثال << لو كانت مبادئ العقل فطرية لتساوى في العلم بها في كل زمان ومكان لكن مبدأ عدم التناقض أو الهوية لايعرفه إلا قلة من المثقفين ويجهله الأطفال >> وخلاصة ما ذهب إليه المذهب الحسي أن الإدراك هو تأليف وتركيب بين الإحساسات فالإحساس هو مصدر الإدراك
النقد:
هذه الأطروحة أرجعت الإدراك إلى الإحساس لكن الحواس تخطئ ومن الحكمة أن لا نأسس الإدراك على معيار خاطئ.
التركيب ( الفصل في المشكلة )تعتبر مشكلة الإحساس والإدراك من المشكلات الفلسفية المعقدة والتي طرحت علي طاولة الحث الفلسفي في صورته القديمة والحديثة ولاشك أن التحليل المنطقي يؤدي بنا إلى حل توفيقي تجمع فيه بين (الحواس والعقل) وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني كانط في قوله <<حدوس حسية بلا مفاهيم عقلية عمياء ومفاهيم عقلية بلا حدوس حسية جوفاء>>.
الخاتمة (حل الإشكالية)
في الأخير الإحساس والإدراك من القضايا البارزة في الفلسفة وقد تبين لنا أن العلاقة بينهما مشكلة أدت إلى تقارب في الآراء بين مذهبين العقليون الذين أرجعوا الإدراك إلى نشاط الذهني والحسيون الذين قالوا أن الإدراك مصدر الإحساس وكمخرج للمشكلة نستنتج أن الإدراك محصلة لتكامل الحواس والعقل معا.



الأخــلاق بين النسبي والمطلق
مقالة جدلية حول(الخير والشر ) بين ( الدين والعقل )
السؤال المشكل
إذا كنت بين موقفين متعارضين أحدهما يقول الأخلاق مصدرها الإرادة الإلهية وثانيهما يقول القول هو مشروع الأخلاقي .
وطلب منك الفصل في المشكلة فما عساك تصنع؟
الوضعية المشكلة
إليك هذا الرأيين , قال أفلاطون < الخير فوق الوجود شرفا وقوة > وقال الأشعري < الخير والشر بقضاء الله وقدره >
المقدمــة : طرح الإشكـاليـة
يتجلى سلوكات الإنسان في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال والتي ينظر إليها الفلاسفة من زاوية ما يجب أن يكون وذلك بربطها بقيمة <الحسن والقبح> وهذه هي الفلسفة الجمال ,أو بربطها بقيمة< الخير والشر> وهذه هي الفلسفة الأخلاق , فإذا كنا بين موقفين متعارضين أحدهما أرجع الأخلاق إلى سلطة مقدسة <إرادة الله> والأخر أرجع القيم الأخلاقية إلى سلطة العقل فالمشكلة المطروحة.
هل مصدر القيمة الخلقية الدين أم العقل ؟
التحليل : عرض الأطروحة الأولى
أرجعت هذه الأطروحة < أساس الدين للأخلاق,الشر والخير إلى إرادة الله >أي ماحسنه الشرع ومدح فاعله فهو خير, وما قبحه الشرع وتوعد فاعله بالعقاب فهو شر ,وهذه الأطروحة واضحة عند ابن حزم الأندلسي حيث قال << ليس في العالم شيء حسن لعينه ولاشيء قبيح لعينه لكن ما سماه الله تعالى حسن فهو حسن وفاعله محسن>>ومن الأمثلة التوضيحية أن <القتل> إذا كان دفاع عن النفس فإن النصوص الشرعية اعتبرته خير أما إذا كان لهون في النفس أو لتحقيق مصلحة شخصية فإن الشرع يحكم على فاعله بالقبح ومن أنصار هذه الأطروحة الأشعري الذي قال<< الخير والشر بقضاء الله وقدره >> فالحكمة الإلهية هي التي تفصل في الأمور وإرسال الرسل عليهم السلام حجة تثبت ذلك , هذه الأوامر الأخلاقية نقلية وليست عقلية.
النقد:
لاشك أن الدين يرشدنا في حياتنا لاكن لايعني هذا تعطيل العقل أو تحريم إشتهادي فالعقل يساهم أيضا في بناء الأخلاق.
عرض الأطروحة الثانية
ترى هذه الأطروحة < النظرية العقلية > إن القيم التي يؤمن بها الإنسان ويلتزم بها في حياته مصدرها العقل , وهذه القيم ثابت ومطلقة لاتتغير في الزمان والمكان ومن أبرز دعاة هذه الأطروحة أفلاطون الذي قال << الخير فوق الوجود شرفا وقوة >> , حيث قسم الوجود إلى قسمين (عالم المحسوسات وعالم المثل ) , إن القيم عند أفلاطون يتم تذكرها ولذلك قال <المعرفة تذكر> وقصد بذلك أن القيم الأخلاقية الكاملة مكانها عالم المثل , والعقل هو القادر على استعادتها , وفي أمثولة الكهف وضح أفلاطون أننا سجناء للجسد والعقل هو الذي يحرر وبه تمزق الروح حجاب الجسد , ومن أنصار هذه الأطروحة الفيلسوف الألماني كانط الذي استعمل المصطلح الواجب الأخلاقي أي طاعة القانون الأخلاقي احتراما له وليس للمنفعة أو خوفا من المجتمع , والأخلاق عند كانط تتأسس على ثلاث شروط : < شرط الشمولية > وهذا واضح في قوله << تصرف بحيث يكون عملك قانون كلية >> و< شرط احترام الإنسانية > أي معاملة الناس كغاية وليس كوسيلة , وأخيرا ضرورة أن يتصرف الإنسان وكأنه هو <مشروع الأخلاق>.


النقـد :
هذه الأطروحة نسبية لأن العقل ليس ملكة معصومة من الخطأ بل يحتاج إلى من يرشده وهو الدين .
التركيب :
رغم ما يبدو من التعارض بين المذاهب الأخلاقية حول أساس القيمة الخلقية إلا أنها في نهاية متكاملة لأن القيمة الخلقية التي يطمح إليها هي التي يجب أن يتحقق فيها التكامل بين المطالب الطبيعية وصوت العقل وسلطة المجتمع وأوامر ونواهي الشرع, لذلك قال فيقِن << الأخلاق من غير دين عبث >> , ذلك الدين يرشد العقل ويهذب المصلحة ويحقق الإلزام الخلقي أمام الله والمجتمع ولذلك قال أبو حامد الغزالي <<حسن الخلق يرجع إلى اعتدال العقل وكمال الحكمة واعتدال الغضب والشهوات وكونها للعقل والشرع مطيعة >>.
الخاتمة : المخرج من المشكلة
وخلاصة القول أن الأخلاق مجموعة من القواعد والأحكام التقيمية التي تحدد الخير والشر , وقد تبين لنا أن المشكلة المطروحة تتعلق بمعيار القيمة الخلفية فهناك من أرجعها إلى إرادة الفرد < الأساس العقلي > وهناك من اعتبر الدين متنوع الأخلاق وكمخرج للمشكلة المطروحة
ونستنتج أن الأخلاق تتأسس على العقل والدين معا .





مقالة :الذاكرة
إذا كنت أمام موقفين متعارضين يقول أولهما (إن الذاكرة حادثة بيولوجية )و يقول ثانيهما (إن الذاكرة حادثة فردية)مع العلم أن كلاهما صحيح في سياقه و نسقه ويدفعك القرار إلى أن تفصل في الأمر فتضع التفسير الحقيقي للذاكرة فما عساك أن تفعل؟
مقدمة:
تتأثر أفعالنا اتجاه المشكلات التي تعترضنا بمكتسبات تجاربنا السابقة وليس انقطاع الإدراك في الحاضر معناه زوال الصورة الذهنية المدركة,بل إن الإنسان يتميز بقدرته اختزان تلك الصورة مما يجعله يعيش الحاضر والماضي معا وهذا ما يسمى بالذاكرة وهي القدرة على استعادة الماضي مع معرفتنا أنه ماضي, وقد اختلف الفلاسفة في تفسير طبيعة الذاكرة وحفظ طبيعة الذكريات هل هي عضوية لهما مكان معين في الدماغ أم هي قدرة عقلية نفسية ؟ وهل يمكن تفسير الذاكرة بالاعتماد على النشاط العصبي ؟ وهل تعتمد الذاكرة على الدماغ فقط أم تحتاج الى غير ذالك ؟
عرض الأطروحة الأولى :
يحاول الماديون تفسير الذاكرة تفسيرا ماديا وربطها بخلايا الدماغ, و يقول عنها ابن سينا (أنها قوة محلها التجويف الأخير من الدماغ ) إن ملاحظات "ريبو" على حالات معينة مقترنة بضعف الذاكرة أو بفقدانها كحالة ( الفتاة التي أصيبت برصاصة في المنطقة اليسرى من الدماغ فوجد أنها فقدت قدرة التعرف على المشط الذي كانت تضعه في يدها اليمنى إلا أنها بقية تستطيع الإحساس به فتأكد له أن إتلاف بعض الخلايا في الجملة العصبية نتيجة حادث ما يؤدي مباشرة إلى فقدان جزئي أو كلي للذاكرة و جعلته يستنتج أن الذاكرة وظيفة عامة للجهاز العصبي. و لقد تأثرت النظرية المادية بالمقولة الديكارتية القائلة بأن الذاكرة تكمل في ثنايا الجسم و أن الذكريات تترك أثر في المخ كما تترك الذبذبات الصوتية على أسطوانات التسجيل، و كان المخ وعاء يستقبل و يختزن مختلف الذكريات، و هي تثبيت بطريقة آلية. أي شبيهة بالعبادة و لقد أستطاع "ريبو" أن يحدد مناطق معينة لكل نوع من الذكريات و يعيد 600 مليون خلية متخصصة لتسجيل كل الإنطباعات التي تاتينا من الخارج مستفيدا مما أثبته بعد تجارب بروكا من أن نزيفاً دمويا في قاعدة التلفيف من ناحية الجهة الشمالية يولد مرض الحبسة و أن فساد التلفيف الثاني من يسار الناحية الجدارية يولد العمى اللفظي و غيرها، و يقول ريبو ( إن الذاكرة ظاهرة بيولوجية بالماهية و ظاهرة بسيكولوجية بالعرض) و من خلال كتابه أمراض الذاكرة رأى ( إن الذاكرة بطبيعتها عمل بيولوجي).
مناقشة :
لو كانت الذكريات مخزونة في خلايا القشرة الدماغية فكيف تفسر زوال جميع الذكريات أحياناً و ضعف التذكر أحياناً أخرى.
عرض الأطروحة الثانية :
يرى "برغسون" أن الذاكرة نوعان- ذاكرة حركية تثمتل في صور عادات آلية مرتبطة بالجسم و هي ليست موجودة فيه ... إنها ديمومة نفسية أي روح و يعرف لالاند الذاكرة بأنها وضيفة نفسية تمثل في بناء حالة شعورية ماضية و يرى "برغسون" بأن عملية التذكر تتحكم فيها مجموعة من العوامل النفسية كالرغبات و الميول و الدوافع فبمقدرة الشاعر على حفظ الشعر أكبر من قدرة الرياضي. و مقدرة الرياضي في حفظ الأرقام والمسائل الرياضية أكبر من مقدرة الفيلسوف... و هكذا، و الفرض في حالة القلق والتعب يكون أقل قدرة على الحفظ، و هذا بالإضافة إلى سمات شخصية التي تأثر إيجابا و سلباً على القدرة على التعلم و التذكر كعامل السن و مستوى الذكاء و الخبرات السابقة ... و منه و حسب "برغسون" أن وظيفة الدماغ لا تتجاوز المحافظة على آليات الحركية أما الذكريات فتبقى أحوال نفسية محضة.

مناقشة :
إن "برغسون" لا يقدم لنا أي حل للمشكل عندما أستبدل الآثار الفيزيولوجية المخزنة في الدماغ بآثار نفسية أو صور عقلية مخزنة في اللاشعور و هو لم يفسر لنا كيف تعود الذكريات إلى سطح اللاشعور عن طريق إثارتها كمعطيات ماضية، كما أن الفصل المطلق بين ما هو جسمي و ما هو نفسي أمر غير ممكن واقعياً.
التركيب:
إذا كان "ريبو" أعاد الذاكرة إلى الدماغ، و إذا كان "برغسون" أرجعها إلى النفس فإنها هالفاكس في النظرية الاجتماعية يرجعها إلى مجتمع يقول ) ليس هناك ما يدعو للبحث عن موضوع الذكريات و أين تحفظ إذ أنني أتذكرها من الخارج ... فالزمرة الاجتماعية التي انتسب إليها هي التي تقدم إلي جميع الوسائل لإعادة بنائها) و يقول أيضا ( إنني عندما أتذكر فإن الغير هم الذين يدفعونني إلى التذكر و نحن عندما نتذكر ننطلق من مفاهيم مشتركة بين الجماعة) إن ذكرياتنا ليست استعادة لحوادث الماضي بل تجديد لبنائها وفقاًَ لتجربة الجماعة و أعتبر "بيار" جاني ( أن الذاكرة الاجتماعية تتمثل في اللغة و أن العقل ينشئ الذكريات تحت تأثير الضغط الاجتماعي و لا يوجد ماضي محفوظ في الذاكرة الفردية كما هو و الماضي يعاد بنائه على ضوء المنطق الاجتماعي.
الخاتمة :
و أخيراً نستنتج أن الذاكرة هي وضيفة تكاملية بين الجسم و النفس و المجتمع و يقول "دولاكروا" إن التذكر نشاط يقوم به الفكر و يمارسه الشخص فيبث فيه ماضيه تبعا لاهتماماته و أحواله و يبقى كل قول صحيح في سياقه و نسقه.



مقالة :العادة تدل على التكيف والإنسجام أم أنها تؤدي إلى إنحراف في السلوك
المقدمة:
يتعامل ويتفاعل الإنسان مع العالم الخارجي بما فيه من أشياء مادية ترمز إلى الوسط الطبيعي وأفراد يشكلون المحيط الإجتماعي . يتجلى ذلك في سلوكات منها المكتسبة بالتكرار وهذا ما يعرف بالعادة , فإذا كنا أمام موقفين متعارضينأحدهما يربط العادة بالسلوك الإيجابي والأخر يصفها بالإنحراف فالمشكلة المطروحة :
هل العادة تدل على التكيف والإنسجام أم أنها تؤدي إلى إنحراف في السلوك ؟
التحليل :
عرض الاطروحة الاولى:
يرى أصحاب هذه الأطروحة أن تعريف العادة يدل على أنها ظاهرة إيجابية أنها توفر لصاحبها الجهد والوقت والمقارنة بين شخصين أحدهما مبتدئ والآخر متعود على عمل ما يثبت ذلك,( كالمتعود على استخدام جهاز الإعلام الآلي ) تراه ينجز عمله في أسرع وقت مع إتقان عمله كما وكيفا .
وتظهر إيجابيات العادة على المستوى العضوي فالعادة الحركية تسهل حركة الجسم وهذا واضح في قول آلان " العادة تمنح الجسم الرشاقة والمرونة " . ومن الأمثلةالتي توضح إيجابيات العادة أن مكارم الأخلاق وكظم الغيظ إنما تنتج عن التكرار .
لذلك أطلق عليها علماء الإجتماع مصطلح العادات الأخلاقية . ليس هذا فقط بل هناك عادات فكرية مثل التعود على منهجية معالجة مقالة فلسفية أو تمرين في الرياضيات, وملخص هذه الأطروحة أن التكيف مع العالم الخارجي يرتبط بالعادة ولولاها لكان الشيء الواحد يستغرق الوقت بأكمله لذلك قال مودسلي :" لولا العادة لكان في قيامنا بوضع ملابسنا وخلعها ، يستغرق نهاراكاملا "

النقد:
إن طبيعة الإنسان ميالة إلى الأفعال السهلة التي لا جهد فيها لذلك ترى كفة الأفعال السيئة أرجح من كفة الأفعال الإيجابية.
عرض الأطروحة الثانية :
ترى هذه الأطروحة أن العادة وظيفتها سلبية على جميعالمستويات فهي تنزع من الإنسان إنسانيته وتفرغه من المشاعر وكما قال برودوم " جميع الذين تستولي عليهم العادة يصبحون بوجوههم بشرا وبحركاتهم آلات" . ومن الأمثلة التوضيحية أن المجرم المتعود على الإجرام لا يشعر بالألم الذي يلحق ضحاياه . وعلى المستوى النفسي ,العادة تقيد حركة الإنسان وتقتل فيه روح المبادرة, وكلما تحكمت العادة في الإنسان نقصت وتقلصت حريته واستقلاله في القرار . وخلاصة هذه الأطروحة أن العادة تعيق التكيف حيث يخسر الإنسان الكثير من قواه الجسدية والعقلية وكماقال روسو " خير عادة للإنسان ألا يألف عادة"
النقد:
إذا كان للعادة سلبيات فإن لها أيضا إيجابيات.
التركيب :
لا شك أن هناك في الحياة عادات يجب أن نأخذها ونتمسك بها ، وأن هناك عادات يجب تركها . فالذي يحدد إيجابية أو سلبية العادة هو الإنسان . وكما قال شوفاليي " العادة هي أداة الحياة أو الموت حسب استخدام الفكر لها " . ومن الحكمة التحلي بالعادات الفاضلة والتخلي عن العادت الفاسدة وفق قانون التحلية والتخلية وهذا واضح في قولتوين " لا يمكن التخلص من العادة برميهامن النافذة وإنما يجعلها تنزل السلم درجة درجة". وصاحب الإرادة هو من يفعل ذلك .


الخاتمة :

ومجمل القول أن العادة أحد أنواع السلوك الناتجة عن تكرار الفعل،وقد تبين لنافي مقالنا أن هناك من أرجع التكيف مع العالم الخارجي إلى العادات الفاضلة , وهناك من نظر إلى العادة نظرة سلبية بإعتبار المساوئ التي جلبتها إلى الإنسان وكمخرج من المشكلة المطروحة نستنتج:
العادة قد تكون سلبية وقد تكون إيجابية حسب توظيف الإنسان لها.

مقالة : العلوم الإنسانية و العلوم المعيارية
الإشكالية :
هل يستطيع المؤرخ يتجاوز العقبات ودراسة التاريخ دراسة علمية ؟
إذ  كنت أمام أطروحتين أحدهما تقول <التاريخ ليس علما > والأخرى ترى عكس ذلك حدد المشكلة وأفصل فيها .
الملاحظة:
هذه المقالة تتعلق ب: هل يمكن تطبيق المنهج العلمي على الحوادث التارخية .
مقدمة : طرح الإشكالية
يتحرك الإنسان في محيطه الحيوي ويصطدم يوميا بالكثير من الظواهر الطبيعية يحاول فهمها وتفسيرها وأيظا يتفاعل مع الظواهر الإنسانية والتي من أصنافها الحوادث التاريخية , فإذا كنا أمام أطروحتين إحداهما ترى أنه من الممكن دراسة الحوادث التاريخية دراسة علمية والأخرى ترى عكس ذلك فالمشكلة المطروحة :
هل الحوادث التاريخية يمكن دراستها دراسة علمية أم أن العقبات التي تقف في وجه المؤرخ تعجل ذلك مستحيلا؟
التحليل : محاولة حل الإشكالية
عرض الأطروحة الأولى
ترى هذه الأطروحة أنه لايمكن دراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية وحجتهم في ذلك وجود عقبات <عوائق> مصدرها خصائص الحادثة التاريخية وأول هذه العقبات < غياب الموضوعية > لأن المؤرخ يتحكم في الأكثر إلى عقيدته ويدخل أحكامه المسبقة ويتأثر بعاطفته حتى أن فولتير قال < التاريخ مجموعة من الأباطيل والخدع يديرها الأحياء والأموات حتى تناسب رغباتهم > ومن العقبات أيظا < غياب الملاظة والتجربة > ومن الأمثلة التي توضح ذلك أن المؤرخ لايمكنه أن يحدث لنا حرب حتى يبرهن لنا على صحة ما يقول إضافة إلى أن الحادثة التاريخية أنها فريدة من نوعها تحدث مرة واحدة ولا تتكرر وليس هذا فقط بل توجد عقبة ثالثة ألا وهي < غياب الحتمية والتنبؤ >وقد وصف جون كيميني ذلك بقوله< التنبؤ يستحيل مع البشر لأنهم يتمتعون بالإرادة والحرية > والنتيجة التي يمكن إستخلاصها أنه لايمكن دراسة التاريخ دراسة علمية .
النقد:
هذه الأطروحة نسبية شكلا ومضمونا لأن المؤرخ قادر على تجاوز هذه العقبات والبحوث التي قامو بها المؤرخون في عصرنا تثبت ذلك.
عرض الأطروحة الثانية
ترى هذه الأطروحة أن الحوادث التاريخية تصلح أن تكون أن موضوع لدراسة علمية وحجتهم في ذلك تطبيق المؤرخين لمنهج علمي يعرف <بالمنهج التاريخي الإستقرائي >والذي يتصف بالموضوعية يظهر ذلك في مرحلة جمع الوثائق والمصادر التي بدونها لا يتحدث المؤرخ لذلك قال سنيويوس < تاريخ بدون وثائق وكل عصر ظاعت وثائقه يظل مجهولا إلى الأبد>والمؤرخ لايستعمل هذه الوثائق إلا -(بعد نقدها وتحليلها) وهذا يستعين بالملاحظة والوسائل العلمية للتأكد من سلامة مادة الوثيقة ويحتكم إلى المنطق العقل والعلم للتأكد من مضمونها وهو بذلك يحقق شرط الموضوعية وهذا ما أكدعليه إبن خلدون في كتابه المقدمة حيث قال << النفس إذا كانتعلى حال من الإعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر >> ويصل المؤرخ إلى ترتيب الأحداث التاريخية بمنهجية علمية فيظعها في إطارها الزماني والمكاني وكل ذلك يثبت أنه يمنك دراسة التاريخ دراسة علمية أن المؤرخ قد تمكن من وضع الحلول المناسبة فتمكن من ذلك تجاوز مختلف العقبات

النقد : هذه الأطروحة نسبية شكلا ومظمونا لأن الدراسات التاريخية لم تصل بعد إلى الموضوعية التي وصلت إليهاالعلوم الرياضية والفيزيائية
التركيب : الفصل في المشكلة
إهتمام الإنسان بالأخبار التاريخية قديم ونستطيع أن نميز بين نوعين من دراسة التاريخ < الدراسة الفلسفية > والتي ترتبط بالجانب الميتافيزيقي والدراسة العلمية كما هو واضح في عصرنا هذا وكحل للإشكالية نقول <يمكن دراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية لاكن بشرط التقيد بالظوابط الأخلاقية وإحترام خصوصيات العصر الذي ندرسه > والدليل على ذلك أن التاريخ هو أحداث يرويها الأحياء عن الأموات وكما قال كانط << يجب أن يحاط الإنسان بالإحترام>>وفي كل الحالات يجب أن نؤكد أن التاريخ قد أصبح علما.
الخاتمة:
وخلاصة القول أن التاريخ له فائدة كبرى إنه يرسم لنا كيف كانت نهاية طريق الرذيلة ويخبرنا عن الذين دافعوا عن مبادئهم وسلكوا طريق الفضيلة وقد تبين لنا أن المشكلة تدور حول < تطبيق المنهج العلم على التاريخ> وبعد عرض المسلمات واستخلاص النتائج ومن خلال البرهنة ونقدها نصل إلى حل هذه الإشكالية







مقالة :اللغة والفكر
مقالة جدلية حول العلاقة بين الإنسان على التفكير وقدرته على التعبير
المقدمة :
طرح الإشكالية
يعتبر التفكير ميزة أساسية ينفرد بها الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى ومن منطلق أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فإنه يحتاج ولا شك إلى وسيلة إلى الاتصال والتواصل مع غيرك من الناس وللتعبير عن أفكاره وهذا ما يعرف في الفلسفة بالغة فإذا كنا أمام موقفين متعارضين أحد هما يرى أن العلاقة اللغة بالفكر انفصال والأخر يرى أنها علاقة اتصال فالمشكلة المطروحة هل العلاقة بين اللغة والفكر علاقة اتصال أم انفصال ؟
التحليل:
عرض الأطروحة الأولى
ترى هذه الأطروحة(الاتجاه الثنائي) أن العلاقة بين اللغة والفكر علاقة انفصال أي أنه لايوجد توازن بين لا يملكه الإنسان من أفكار وتصورات وما يملكه من ألفاظ وكلمات فالفكر أوسع من اللغة أنصار هذه الأطروحة أبو حيان التوحيدي الذي قال << ليس في قوة اللغة أن تملك المعاني >> ويبررون موقفهم بحجة واقعية إن الإنسان في الكثير من المرات تجول بخاطره أفكار لاكته يعجز عن التعبير عنها ومن الأمثلة التوضيحية أن الأم عندما تسمع بخبر نجاح ابنها تلجأ إلى الدموع للتعبير عن حالتها الفكرية والشعورية وهذا يدل على اللغة وعدم مواكبتها للفكر ومن أنصار هذه الأطروحة الفرنسي بركسون الذي قال << الفكر ذاتي وفردي واللغة موضوعية واجتماعية >>وبهذه المقارنة أن اللغة لايستطيع التعبير عن الفكر وهذا يثبت الانفصال بينهما . النقد
هذه الأطروحة تصف اللغة بالعجز وبأنها تعرقل الفكر لكن اللغة ساهمت على العصور في الحفاظ على الإبداع الإنساني ونقله إلى الأجيال المختلفة .
عرض الأطروحة الثانية
ترى هذه الأطروحة (الاتجاه الو احدي ) إن هناك علاقة اتصال بين اللغة والفكر مما يثبت وجود تناسب وتلازم بين ماتملكه من أفكار وما تملكه من ألفاظ وعبارات في عصرنا هذا حيث أثبتت التجارب التي قام بها هؤلاء أن هناك علاقة قوية بين النمو الفكري والنمو اللغوي وكل خلل يصيب أحداهما ينعكس سلبا على الأخر ومن أنصار هذه الأطروحةهاملتون الذي قال << الألفاظ حصون المعاني وقصد بذلك إن المعاني سريعة الظهور وسريعة الزوال وهي تشبه في ذلك شرارات النار ولايمكن الإمساك بالمعاني إلا بواسطة اللغة>>
النقدهذه الأطروحة ربطت بين اللغة والفكر لاكن من الناحية الواقعية يشعر أكثر الناس بعدم المساواة بين قدرتهم على التفكير وقدرتهم على التعبير .
التركيب : الفصل في المشكلة تعتبر مشكلة اللغة والفكر أحد المشكلات الفلسفية الكلاسيكية واليوم يحاول علماء اللسانيات الفصل في هذه المشكلة بحيث أكدت هذه الدراسات أن هناك ارتباط وثيق بين اللغة والفكر والدليل عصر الانحطاط في الأدب العربي مثلا شهد تخلفا في الفكر واللغة عكس عصر النهضة والإبداع ومن المقولات الفلسفية التي تترجم وتخلص هذه العلاقة قول دولا كروا << نحن لانفكر بصورة حسنة أو سيئة إلا لأن لغتنا مصنوعة صناعة حسنة أو سيئة >>
الخاتمة: حل الإشكالية
وخلاصة القول أن اللغة ظاهرة إنسانية إنها الحل الذي يفصل بين الإنسان والحيوان ولا يمكن أن نتحدث عن اللغة إلا إذا تحدثنا عن الفكر وكمحاولة للخروج من الإشكالية إشكالية العلاقة بين اللغة والفكر نقول أن الحجج والبراهين الاتجاه الو احدي كانت قوية ومقنعة ومنه نستنتج العلاقة بين العلاقة بين اللغة والفكر علاقة تفاعل وتكامل .
مقالة : " فلسفة العلوم التجريبية"..
مقالة جدلية: " حول الحوادث النفسية"
الأسئلة: *إلى أي حد يمكن القول أن المنهج الاستنباطي كاف لفهم حقيقة الحياة النفسية؟
المقدمة: (طرح الإشكالية)
الإنسان كائن متعدد الأبعاد يؤثر ويتأثر بغيره (البعد الاجتماعي) وله ذكريات تعود إلى الزمن الماضي (البعد التاريخي) وله مشاعر و انفعالات (البعد النفسي ) وهذا الأخير عرف جدلا وتناقض في الآراء حول المنهج المناسب لدراسة الحالات النفسية وجدير بالبيان أن المنهج الاستنباطي يقوم على تأمل النفس لذاتها:
*فهل يا ترى المنهج الاستنباطي كاف لفهم حقيقة الحالات النفسية؟
التحليل: (محاولة حل الإشكالية)
1/عرض الأطروحة الأولى :
يذهب دعاة المنهج الاستنباطي إلى القول:"أن الظواهر النفسية تتميز بخصائص فهي لا تقبل الملاحظة والتجربة باعتبار أنها كيفية وليست كمية" ويلزم عن ذلك إن السبيل الوحيد لفهم حقيقتها هو منهج الاستنباط القائم على(التأمل،الوصف،التحليل)وهذا ما أكد عليه "ريبو"بقوله "المنهج أساسي في علم النفس"وحجتهم في ذلك أن الحوادث النفسية فرديا(خاصة)لا يعرف حقيقتها إلا صاحبها وهذا ما يثبت ضرورة الاعتماد على الاستنباط وكما قال: "موتتاني" "لا احد يعرف من أنت إلا أنت" والهدف من المنهج الاستنباطي هو الوصول إلى قوانين علمية تكشف عن حقيقة الحالات النفسية ومن الأمثلة التوضيحية أن الغضب ما هو إلا امتزاج لثلاثة عناصر نفسية(الكدر،الشدة،الاستثارة) وبذلك يحق القول أن أفضل منهج لدراسة الحالات النفسية هو المنهج الاستنباطي.
النقد: يمكن الرد على المنهج الاستنباطي من حيث الشكل بأنه منهج متناقض لأنه يستحيل أن يعيش الإنسان الحالات النفسية ويصفها في نفس الوقت أما من حيث المضمون فنرد عليهم بان منهجهم ضيق مادام يستعمل اللغة.
2/عرض الأطروحة الثانية:
على النقيض من الأطروحة الأولى هناك من العلماء من يرى (أن المنهج الأمثل لدراسة الحالات النفسية والكشف عن قوانينها هو المنهج السلوكي) ويركز هذا المنهج على ملاحظة ردود الأفعال العضوية التي تصدر عن الكائن الحي في موقف ما ومن أنصار هذه الأطروحة "واطسون" الذي قال:"السلوكيين شعبة تجريبية من العلم الطبيعي" وحجتهم في ذلك أن الحالات النفسية الحزن و الفرح لها ظاهر مرئي يمكن ملاحظته من خلال التصرفات و السلوكات المختلفة ومن الأمثلة التوضيحية أن الخوف يمكن حصره في ثلاث عناصر فيزيولوجية (عضوية)(منبه يفيد القلق،تنفس سريع متقطع،توتر وتقلص عضلي)واعتمد أصحاب هذا المنهج على التجارب التي قام بها (بافلوف)والمعرفة بالمنعكسة الشرطية وخلاصة هذا المنهج نجدها في قول "روزنتال": "السلوكية تمثل الاتجاه الآلي في علم النفس وعليه ترجع الحالات النفسية إلى أسباب عضوية".
النقد: يمكن الرد على المنهج السلوكي من حيث الشكل بأنهم ركزوا على الظاهر (السلوك) واهملو الباطن (الشعور)وحقيقة الإنسان تكمن في الشعور أما على مستوى المضمون فليست جميع الحالات النفسية سببها عضوي فقد تعود إلى عقد لاشعورية.
التركيب: (الفصل في الإشكالية)
بداية نقول أن الاهتمام بالحياة النفسية قديما بالفلسفة على اختلاف مذاهبها وعصورها ركزت على هذا الجانب وقديما قال"سقراط" :"اعرف نفسك بنفسك" أما اليوم فعلم النفس يهتم بهذا هو تحديد المذهب المناسب لدراسة الحالات النفسية وهذه مشكلة للفصل فيها نقول كموقف شخصي (الحالات النفسية متنوعة و متعددة الشعور) فيلزم عن ذلك تعدد المناهج في علم النفس لأنه يستحيل الاقتصار لقول "بيارجتيه":"الحوادث النفسية ترتبط بالإنسان ككل"ولاشك أن كل منهج في علم النفس(الاستبطاني،السلوكي،التحليل النفسي،الجاشطالت...) يساعد في تسليط الضوء على الحياة النفسية.
الخاتمة: (حل الإشكالية)
خلاصة القول أن المشكلة التي بين أيدينا كما يدل على ذلك منطوق السؤال تندرج ضمن فلسفة العلوم وقد تبين لنا ذلك من خلال استعراض أطروحتين الأولى ركزت على الجانب الباطني واهتمت بالشعور(المنهج الاستبطاني)والثانية اهتمت بردود الأفعال وركزت على السلوك (المنهج السلوكي)وبالعودة إلى منطق التحليل نصل إلى حل المشكلة فنقول:دراسة الحياة النفسية والكشف عن قوانينها يستلزم تعدد المناهج في علم النفس.

مقالة : ماعلاقة العادة بالغريزة
تعرف العادة بقولهم انها قدرة مكتسبة على اداء عمل بطريقة آلية مع الدقة والسرعة و الاقتصاد في الجهد بنما الغريزة هي الدافع الحيوي الاصلي الموجه لنشاط الفرد والعامل على حفظ بقاءه المؤدي الى اقبله على الملئم واحجامه عن المنافى فان كانت العادة سلوك مكتسب بالتكرار والغريزة طراز من السلوك يعتمد على الفطرة والوراثة البيولوجية فما علاقة كل منها بالأخر
التحليل:
اوجه الاتفاق
كل من العادة والغريزة يهدفان الى غاية انهما يعتمدان على الالية أي يتجهان نحو الغاية رغم العقل فالعقل لا يتدخل في كل منهما الاعند اللزوم وكل منهما يختص في مجال معين
اوجه الاحتلاف:
العادة سلوك مكتسب يحصل للنفس بالتكرار بينما الغريزة استعداد فطري يولد مع الانسانفهما مختلفان من حيث المصدر ولكن مجال العادة اوسع من مجال الغريزة ثم ان الغريزة عامة عند افراد النوع بينما العادة خاصة عند افراد النوع
العادة يمكن التخلي عنها بينما الغريزة لايمكن التخلي عنها.
مواطن التدخل: مما سبق يضهر ان العادة والغريزةصورتان من صور النشاط الانساني فقد قال ارسطو العادة طبيعة ثانية ويقول علماء التطور الغاريزة عادة وراثية ومن هذا يظهر التداخل بينهما في نشاط الانسان الى درجةانه يتعذر التمييز بينهما
الخاتمة: تشكل الغريزة جزءا كبيرا من سلوك الانسان وتشكل العادة جزءا آخرا من سلوكياته وهو يعتمد عليهما في تحقيق غاياته في الحياة وفي محاولة التكيف مع المواقف التي تعترضه.
مقالة إستقصائية بالنفي
السؤال :اثبت بطلان الأطروحة الأتية <<الألفاظ حصون المعاني>>
المقدمة: (طرح الإشكالية )
الإنسان كائن إجتماعي بطبعة يتعامل مع غيره ووسيلته في ذلك اللغة, ولقد أصبح من الشائع لدى بعض الفلاسفة ان الألفاظ حصون المعاني لكن هناك من يعارض ذلك وهم أصحابالإتجاه الثنائي ولقد تقرر لدي رفض الأطروحة <الإتجاه الواحدي> والمشكلة المطروحة كيف نبطل ذلك؟
التحليل : محاولة حل الإشكالية
الجزء الأول :
ان الأطروحة القائلة <الألفاظ حصون المعاني > أطروحة باطلة وذلك بوجود عدة مبررات تدفعنا إلى ذلك ومن الناحية الواقية كثيرا مايتراجع افنسان عن كتابة بعض الكلمات أو يتوقف عن الكلام والسبب في ذلك أن اللفاظ تخونه أي رغم وجود المعاني إلا أنه لايستطيع التعبير عنها وقد يعود السبب إلى عدم القدرة الألفاظ على إحتواء المعاني العميقة والمشاعر الدافئة والعواطف الجياشة لذلك قيل إذا كانت كلماتي من ثلج فكيف تتحتوي بداخلها النيران ومن الأمثلة التي توضح ذلك أن الأم عندما تسمع بخبر نجاح ولدها قد تلجأ إلى الدموع , وهذا يبرر عجز اللغةالجزء الثانيإن هذه الأطروحة لها مناصرين وعلى رأسهم جون لوك الذي قال << اللغة سلسلة من الكلمات تعبر عن كامل الفكر >> ولكن كلامه لايستقيم أمام النقد لأن الألفاظ محصلة ومحدودة بينما المعاني مبسوطة وممدودة وكما قال أبو حيان التحيدي << ليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط (المعاني ) ويحيط به >> وكذلك ترى الصوفيةيلجأون إلى حركات ورقصات لأن الألفاظ لم تستطع إخراج جميع مشاعرهم .

الجزء الثاني:
الأطروحة القائلة الألفاظ حصون المعاني يمكن رفعها ( إبطالها) بطريقتين : شخصية وهذا ماحدث لي عندما إلتقيت بزميلي لم أره منذ مدة حيث تلعثم لساني ولم أستطع التعبير عن مشاعرالإشتياق نحوه , إن الألفاظ في هذه الحالة قتلت المعاني ونجد بركسون أبطل هذه الأطروحة وحجته أن اللغة من طبيعة إجتماعية وموضوعية بينما الفكر ذاتي وفردي .الخاتمة : حل الإشكاليةوخلاصة القول أن اللغة مجموعة من الإشارات والرموز تستعمل للإتصال والتواصل والفكر خاصية ينفرد بها الإنسان وقد تبين لنا أن هناك من يربط بين الفكر واللغة مما دفعنا إلى رفض هذه الأطروحة ونقدمسلماتها والرد على حججها وبالنظر ما سبق ذكره نصل إلى حل هذه الإشكالية إن الطروحة القائلة < الألفاظ حصون المعاني >أطروحة باطلة ويجب رفضها











مقالة استقصائية بالوضع حول اللاشعور
المقدمة
تصدر عن الإنسان سلوكات مختلفة لها ظاهر يراه أكثر الناس وباطن يشكل الحياة النفسية والتي يعتبر اللاشعور أحد أجزائها فإذا كان من الشائع إرجاع الحياة النفسية إلي الشعور فإن بعض الأخر يربطها باللاشعور
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف نبرهن على أن اللاشعور حقيقة علمية ؟
التحليل :
عرض منطق الأطروحة
إن الأطروحة القائلة "اللاشعور حقيقة علمية أطروحة فلسفية وعلمية في آن واحد حيث أثار بعض الفلاسفة العصر الحديث إلى وجود حياة نفسية لاشعورية ومنهم شوزنهاور كما ارتبطت هذه الأطروحة بمدرسة التحليل النفسي والتي أسسها فرويد واللاشعور قيم خفية وعميقة وباطني من الحياة النفسية يشتمل العقد والمكبوتات التي تشكله بفعل الصراع بين مطالب الهو وأوامر ونواهي الأنا الأعلى وبفعل اشتداد الصراع يلجأ الإنسان إلى الكبت ويسجن رغباته في اللاشعور
الدفاع عن منطق الأطروحة
إن هذه الأطروحة تتأسس على أدلة وحجج قوية تثبت وجودها وصحتها ومن أهم هذه الأدلة التجارب العيادية التي قام بها علماء الأعصاب من أمثال شاركوا الذين كانوا بصدد معالجة مرض الهستيريا وبواسطة التنويم المغناطيسي ثم الكشف عن جوانب اللاشعورية تقف وراء هذا المرض ومن الأدلة والحجج التي تثبت اللاشعور الأدلة التي قدمها فرويدوالمتمثلة في الأحلام وفلتات اللسان وزلات القلم والنسيان وحجته أنه لكل ظاهرة سبب بينما هذه الظواهر لانعرف أسبابها ولا نعيها فهي من طبيعة لاشعورية وهي تفريغ وتعبير عن العقد والمكبوتات ومن الأمثلة التوضيحية افتتاح المجلس النيابي الجلسة بقوله << أيها السادة أتشرف بأن أعلن رفع الجلسة >>
نقد منطق الخصوم
إن أطروحة اللاشعور تظهر في مقابلها أطروحة عكسية <<أنصار الشعور >> ومن أبرز دعاة هذه الأطروحة ديكارت الذي قال <<أنا أفكر أنا موجود>> والإنسان في نظره يعرف بواسطة الوعي عالمه الخارجي وعالمه الداخلي <<الحياة النفسية >> ونجد أيضا سارتر الذي قال << السلوك في مجري الشعور >>ولكن هذه الأطروحة مرفوضة لأن علم النفس أثبت أن أكثر الأمراض النفسية كالخوف مثلا ينتج دوافع لاشعورية ومن الناحية الواقية هناك ظواهر لانشعر بها ولا يفسرها الوعي ومن أهمها الأحلام
الخاتمة :
حل الإشكالية
ومجمل القول أن الحياة النفسية تشمل المشاعر و الانفعالات والقدرات العقلية وقد تبين لنا أن الحياة النفسية أساسها اللاشعور وقد أثبتنا ذلك أما الذين ربطوا الحياة النفسية بالشعور فقد تمكنا الرد عليهم ونقد موقفهم ومنه نستنتج الأطروحة القائلة اللاشعور أساس الحياة النفسية أطروحة صحيحة ويمكن الدفاع عنها .

مقالة جدلية حول أصل المفاهيم الرياضية
الأسئلة : إذا كنت أمام موقفين متعارضين أحدهما يقول الرياضيات في أصلها البعيد مستخلصة من العقل والأخري تقول : الرياضيات مستمدة من العالم الحسي . وطلب منك الفصل في المشكلة فما عساك تصنع ؟
سؤال : هل المعاني الرياضية موجودة في النفس أو أوحت بها بعض مظاهر الطبيعة
المقدمة : طرح الإشكالية
تنقسم العلوم إلي قسمين علوم تجريبية مجالها المحسوسات ومنهجها الاستقراء كالفيزياء وعلوم نظرية مجالها المجردات العقلية ومنهجها الاستنتاج كالرياضيات هذه الأخيرة أثارة جدلا حول أصل مفاهيمها ومبادئها فإذا كنا أمام موقفين أحدهما أرجع الرياضيات إلى العقل والأخر ربطها بالتجربة فالمشكلة المطروحة : هل المعاني الرياضية مستخلصة من أصلها البعيد من العقل أو التجربة ؟
التحليل: محاولة حل الإشكالية
عرض الأطروحة الأولي
يرى العقليون ( المثاليون ) أن المفاهيم الرياضية مستخلصة من أصلها البعيد من العقل وهي فطرية قائمة في النفس وهكذا الرياضيات بناء استدلالي والاستدلال نشاط عقلي فينتج عن ذلك أن المفاهيم والمبادئ الرياضية من طبيعة عقلية , هذا ما ذهب إليه أفلاطون الذي قال في كتابه الجمهورية << عالم المثل مبدأ كل موجود ومعقول أن المعرفة تذكر >> وأكد أفلاطون في محاورة مينوت أن البعد قادر على أن يكشف بنفسه كيفية وإنشاء شكل مساوئ مربع معلوم ومن دعاة هذه الأطروحة ديكارت الذي قال في كتابه التأملات << المعاني الرياضية أفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية>> وهم يبررون موقفهم بحجج متنوع من أهمها الرموز الجبرية اللانهائية مفاهيم رياضية لا صلة لها بالواقع الحسي كما أنها تتصف بثلاثة خصائص, مطلقة , ضرورية , كلية, فلا يعقل أن تنتج عن العالم الحسي وتعود هذه الأطروحة إلى كانط الذي ربط المعرفة بما فيها الرياضيات , بمقولتين فطريتين هما الزمان والمكان أي أن الرياضيات في أصلها معاني فطرية لأنها شيدت على أسس فطرية فالمفاهيم الرياضية في أصلها البعيد مستمدة من العقل .
النقد :
هذه الأطروحة نسبية لأنه لو كانت المفاهيم الرياضية فطرية مغروسة في النفس لتساوى في العلم بها جميع الناس لكن الأطفال لايدركون المفاهيم الرياضية إلا من خلال المحسوسات
عرض الأطروحة الثانية
يرى التجريبيون ( الحسويون ) أن المعاني الرياضية مصدرها التجربة أي المفاهيم الرياضية إذا تم تحليلها فإنها ستعود إلى أصلها الحسي ومثال ذلك أن رؤية النجوم أوحت بالنقاط والقمر يرتبط بفكرة القرص لذلك قال الحسيون << العقل صفحة بيضاء والتجربة تكتب عليه ماتشاء >> وهم يبررون موقفهم بما توصل إليه العلماء الأنتروبولوجياالذين أكدوا أن الشعوب البدائية إستعملت الحصى وأصابع اليدين والرجلين عند حساب عدد الأيام والحيوانات التي يمتلكونها ومواسم السقي المحاصيل الزراعية مما يثبت أن المفاهيم الرياضية أصلها حسي ليس هذا فقط إن المفاهيم الهندسية كالطول والعرض إنما هي مكتسبة بفضل الخبرة الحسية لذلك قالريبو[/[COLORCOLOR="blue"]]<< حالة الشعور التي ترافق بعض أنواع الحركات العضلية هي الأصل في إدراكنا للطول والعرض والعمق >> ومن أدلتهم أيضا أن الهندسة تاريخيا هي أسبق في الظهور من الحساب والجبر والسر في ذلك أنها مرتبطة بالمحسوسات ولو كانت المفاهيم الرياضية في أصلها مجردات عقلية لظهور الجبر قبل الهندسة كل ذلك يثبت أن المفاهيم الرياضية أصلها حسي

النقد:
صحيح أن بعض المفاهيم الهندسية أصلها حسي لكن أكثر المفاهيم الرياضية الجبر لا علاقة لها بالواقع الحسي.
التركيب: الفصل في المشكلة
لاشك أن المعرفة جهد إنساني ومحاولة جادة لفهم مايحيط بنا من أشياء وإجابتك على مايدور في عقولنا من جهد وبناء مستمر وهذا مايصدق على الرياضيات وكحل توفيقي لأصل المفاهيم الرياضية نقول الرياضيات بدأت حسية ثم أصبحت مجردة وهذا ما وضحه جورج سارتون بقوله << الرياضيات المشخصة هي أول العلوم نشوءا فقد كانت في الماضي تجريدية ثم تجردت وأصبحت علما عقليا >> وذات الحل التوفيقي ذهب إليه عالم الرياضيات غونزيت الذي أكد < تلازم ماهو حسي معا ماهو مجرد في الرياضيات >
الخاتمة : حل الإشكالية
وخلاصة القول أن الرياضيات علم يدرس المقدار القابل للقياس بنوعيه المتصل والمنفصل وقد تبين لنا أن المشكلة تدور حول أصل المفاهيم الرياضية فهو هناك من أرجعها إلى العقل وأعتبرها فطرية وهناك من أرجعها وربطها على أساس أنها حسية نستنتج أن مصدر المفاهيم الرياضية هو تفاعل وتكامل القول مع التجربة






مقالة جدلية حول الإبداع
المقدمة:طرح الإشكالية : يتميز الإنسان بقدرته على التفكير والذي يتجلى في سلسلة من العمليات العقلية ابتداء من التصورات ووصولا إلى بناء الاستدلالات ويعتبر التخيل من أرقى أنواع التفكير فإذا كنا أمام موقفين متعارضين يقول أولهما <إن الإبداع ظاهرة نفسية فردية > ويقول ثانيهما < إن الإبداع من طبيعة اجتماعية > مع العلم كليهما صحيح في سياقه فإنه يحق لنا أن نتساءل : هل الإبداع ظاهرة نفسية أم اجتماعية ؟
التحليل عرض الأطروحة الأولى : ترى هذه الأطروحة أن الإبداع يعود إلى تأثير العوامل الذاتية بصورة عامة والشروط النفسية بصورة خاصة فالإبداع ظاهرة سيكولوجية معقدة تساهم في بناء قدرات ذاتية عقلية مختلفة كالتخيل الخصب والحدس الإبداعي لذلك قال نيوتن < إنني اجعل موضوع بحثي نصب دائما وانتظر الومضة الأولى التي تظهر بهدوء ثم تتحول بالتدرج إلى شعاع شديد الوضوح ..إن البحث عن حقيقة ما غالبا ما يكشف لي عن حقائق أخرى غيرها دون أن أفكر فيها على الإطلاق > وفي نفس الإطار رأى الفيلسوف الفرنسي بركسون أن العلماء الذين يتخيلون الفروض العلمية لا يبدعون في حالة جمود الدم وإنما الانفعال في نظره هو مصدر الإبداع والفن وهذا واضح في قوله : < إن العمل العبقري ينشا عادة من انفعال نفسي فريد من نوعه وهو سعى جاهدا للتعبير عن نفسه > أما المدرسة اللاشعورية < أو مدرسة التحليل النفسي > فترى أن الفرد يلجا بطريقة لاشعورية إلى الحيل أو مكانيزمات دفاعية ليخفف من حدة التوتر والصراع النفسي الذي يعاني منه ومن بين هذه الحيل نجد الإعلاء أو التصعيد وهو عبارة عن ميكانيزم لاشعوري بموجبه يفرغ الفرد مكبوتا ته في أعمال سامية ونبيلة يرضي عنها المجتمع ومن ثمة يعتبر فرويد الإبداع مجرد إعلاء للمكبوت الجنسي وترى هذه الأطروحة أن الإبداع ظاهرة سيكولوجية وراثية تنتقل من جيل إلى أخر مستدلين في ذلك بعائلة الموسيقار باخ التي انجبت حوالي 57مويسقيا لايقلون شهرة عن بعضهم البعض
النقد:هذه الأطروحة ركزت على العوامل الذاتية لكن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وهذا يدل على تدخل العوامل الموضوعية .
عرض الأطروحة الثانية :ترى هذه الأطروحة أن الإبداع يعود إلى تأثير العوامل الموضوعية بصورة عامة والشروط الإجتماعية بصورة خاصة أي العمل الإبداعي عمل يرتبط ارتباطا عضويا بالمحيط الإحتماعي والثقافي, فالتنشئة الإجتماعية تعمل على تذهيب الذوق و جعل العمل الإبداعي ممكنا ,وحجتهم في ذلك اختلاف الإبداع ,بالاختلاف المجتمعات ,حيث أصر واطسون على أن التربية والبيئة الثقافية هما المؤثران الوحيدان في قدرة المرء على الإبداع , ويشرح ذلك بقوله (( أعطيتني أثنى عشر طفلا سالمي الجملة العصبية مع ظروف بيئة مناسبة لأؤكد لك أنهم قادرون بمحض إرادتهم على تحقيق طموحهم , وستجد فيهم الطبيب والمحامي والفنان والتاجر والقائد وحتى اللص والمتسول ,وذلك بغض النظر عن ميولهم واستعدادهم الفطرية أو مورثاتهم )) فالإبداع بجميع مجالاته ينمو ويترعرع في المجتمعات التي تتميز بأنها تهيئ الفرصة والتربية المناسبة لأبنائها للتجريب دون خوف او تردد وتسمح بمزيد من الاحتكاك الثقافي والأخذ والعطاء بين الثقافات المختلفة وتقدم نماذج مبدعة من أبنائها من الأجيال السابقة كنماذج يقتدي بها .وفي ذلك يقول دوركايم ( إنما يعبر المخترع عن الاتجاهات الموجودة في مجتمعه )
النقد : لوكان المجتمع هو المسؤول عن الإبداع لكان كل أفراد المجتمع مبدعين لكن الواقع يثبت عكس ذلك
التركيب : يعتبر مفهوم الإبداع من أكثر مفاهيم علم النفس والتربية تعقيدا انه أشبه باللغز المحير ومع ذلك ظلت محاولة البحث عن عوامل الإبداع تراود الكثير من العلماء واستقر رأي الأغلبية منهم على حل توفيقي أي الإبداع مزيج من قدرات شخصية وبيئية مناسبة ومثل ذلك كمثل البذرة والتربية وهذا واضح فيما يسمى المعجزة اليابانية هذا التكامل والتفاعل عبر عنه احد العلماء ريبو بقوله (مهما كان الإبداع فرديا فانه يحتوي على نصيب اجتماعي)
الخاتمة : وملخص المقالة أن التخيل ملكة من إنشاء وتركيب صورة واقعية ولا موجودة وهذا هو الإبداع وقد تبين لنا أصل الإشكالية يتمحور حول عوامل الإبداع ولقد تضاربت أراء الفلاسفة والعلماء وتعددت بتعدد أفكارهم واختلاف حججهم فهناك من ارجع الإبداع إلي شخصية المبدع وهم أنصار العوامل الذاتية وهناك من حصر الإبداع في دائرة المجتمع وكمخرج للمشكلة نستنتج : الإبداع محصلة لعوامل نفسية وشروط اجتماعية متفاعلة



مقالة جدلية حول الذاكرة
س) إذا كنت أمام موقفين متعارضين أحدهما يقول الذاكرة مرتبطة بالدماغ والأخر يقول الذاكرة أساسها نفسي وطلب منك الفصل والبحث عن الحل فما عساك تصنع؟
- في هذه المقالة وقع جدل بين الفلاسفة والعلماء حول العامل المسؤول عن حفظ واسترجاع الذكريات.
الوضعية المشكلة
إليك هذا الحوار الذي دار بين صديقين قال الأول إن العوامل النفسية تساعدني على تذكر دروسي ,فرد عليه الثاني إن الدماغ هو المسؤول عن ذلك , حدد المشكلة وأفصل فيها؟
المقدمة : طرح الإشكالية
يتعامل ويتفاعل الإنسان مع العالم الخارجي بمافيه من أشياء مادية وأفراد يشكلون محيطه الاجتماعي ,يتجلى ذلك في سلوكات بعضها ظاهري والأخر باطني المتمثل في الحياة النفسية والتي من مكوناتها << الذاكرة >> ,فإذا كنا أمام موقفين متعارضين أحدهما أرجع الذاكرة إلى الدماغ ,والأخر ربطها بالعوامل النفسية فالمشكلة المطروحة :
هل أساس الذاكرة مادي أم نفسي ؟
التحليل: عرض الأطروحة الأولى
ربطت النظرية المادية بين الذاكرة والدماغ فهي في نظرهم ظاهرة بيولوجية , أي أساس حفظ واسترجاع الذكريات << فيزيولوجي>> وهذا ما ذهب إليه ريبو الذي قال << الذاكرة حادثة بيولوجية بالماهية >> حيث أرجع الذاكرة إلى الجملة العصبية وحدٌد 600مليون خلية عصبية في نظره هي المسؤولية على الحفظ و الاسترجاع بحكم المرونة التي تتصف بها , فمثلها تحتفظ مادة الشمع بما يطبع عليها, كذلك الخلايا العصبية تحتفظ بالأسماء والصور والأماكن ومن الحجج التي تذمم هذه الأطروحة<< تجارب بروكا >>الذي أثبت أن إصابة الدماغ بنزيف يؤدي إلى خلل في الذاكرة, مثل الفتاة التي أصيبت برصاصة في الجدار الأيسر من دماغها أصبحت لا تتذكر ولا تتعرف على الأشياء التي توضع في يدها اليسرى بعد تعصيب عينيها , كما ترتبط هذه الأطروحة بالفيلسوف ابن سينا الذي قال << الذاكرة محلها التجويف الأخير من الدماغ >> , ونفس التفسير نجده في العصر الحديث عند الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي أرجع الذاكرة إلى الجسم وهذا واضح في قوله << تكمن الذاكرة في ثنايا الجسم >>
النقــــــد:
هذه الأطروحة نزعت من الذاكرة <الجانب الشعوري > والإنسان عندما يتذكر فإنه يسترجع الماضي بما فيه من مشاعر وانفعالات.
عرض الأطروحة الثانية
يرى أصحاب النظرية النفسية أن الذاكرة تتبع الشعور الذي يربط الحاضر بالماضي وذلك من أجل وشم معالم المستقبل وحجتهم في ذلك أن الذكريات عبارة عن< أفكار , تصورات, حالات نفسية >, وهي معنوية وليست من طبيعة مادية تعود هذه الأطروحة إلى الفرنسي بركسون الذي قسم الذاكرة إلى قسمين : < ذاكرة حركية > أطلق عليها مصطلح العادة <وذاكرة نفسية > وصفها بأنها ذاكرة حقيقية , وحجته التي استند إليها في ربط الذاكرة بالجانب النفسي أن فاقد الذاكرة يستعيدها تحت تأثير صدمة نفسية كما يثبت ذلك الواقع , لذلك قال في كتابه:الذاكرة والمادة << الانفعالات القوية من شأنها أن تعيد إلينا الذكريات التي اعتقدنا أنها ضاعت إلى الأبد >> وفسرت هذه النظرية استرجاع بقانون < تداعي الأفكار> حيث [COLOR="red"]قال جميل صليب [/COLOR]<< في كل عنصر نفسي ميل إلى استرجاع ذكريات المجموعة النفسية التي هو أحد أجزائها >> ومن الأمثلة التوضيحية أنة الأم التي ترى لباس ابنها البعيد عنها تسترجع مجموعة من الذكريات الحزينة , وهذا يثبت الطابع النفسي للذاكرة .
النقــــد:
النظرية النفسية رغم تبريرها لكيفية استرجاع الذكريات إلا أنها عجزت عن تحديد مكان تواجد الذكريات
التركيب : الفصل في المشكلــــة
الذاكرة محصلة لتفاعل العوامل المادية والنفسية والاجتماعية , هذا الأخير يساهم في استرجاع الذكريات كما قال هال فاكس << عندما أتذكر فإن الغير هم الذين يدفعونني إلى التذكر>> ولاكن بشرط سلامة الجملة العصبية <الدماغ> , فقد أكد الأطباء استحالة استرجاع الذكريات دون تدخل الدماغ دون إهمال العوامل النفسية هذا الحل التوفيقي لخصه < دولا كروا > في قوله << الذاكرة نشاط يقوم به الفكر ويمارسه الشخص >>
الخاتمة : حل الإشكالية
ومجمل القول أن الذاكرة قدرة تدل على الحفظ والاسترجاع ولكن الإشكالية لا ترتبط بمفهوم الذاكرة بل بالأساس الذي يبني عليه , فهناك من ربطها بشروط نفسية وكمخرج للمشكلة نستنتج أن :
الذاكرة محصلة لتفاعل العوامل المادية والاجتماعية والنفسية.






مقالة جدلية: (الحياة النفسية بين الشعور واللاشعور )
الأسئلة:
1*هل جوهر الحياة النفسية قائم على الوعي أم اللاوعي؟
2* هل يعي الإنسان دائما أسباب سلوكه؟
3*هل اللاشعور حقيقة أم وهم وخرافة ؟
الحل: (مقدمة طرح المشكلة)
من المقولات الفلسفية قولهم الإنسان كائن عاقل وهذ ا يدل على أن جوهر الحياة النفسية هو الوعي (الشعور) ولكن هناك من يرفض ذلك وهم أنصار اللاشعور ولذلك غلب التناقض والجدل حول الحياة النفسية .والمشكلة التي تبرز هذا التناقض :*هل جوهر الحياة النفسية قائم على الوعي أم اللا وعي؟
التحليل: (محاولة حل المشكلة)
1-عرض الأطروحة الأولى:
تدافع النظرية التقليدية (أنصار الشعور) عن قضية أساسية ألا وهي إن جوهر الحياة النفسية هو الوعي (الشعور) وهم يدافعون عن مسلمتين المطابقة بين الوعي والحياة النفسية) أي كل ما هو نفسي هو بالضرورة شعوري ومن الفلاسفة الذين أكدوا سيطرة الوعي"ديكارت"الذي ربط بين الوعي والوجود وحجته في ذلك "انه إذا تلاش الوجود يتلاش التفكير وإذا انعدم التفكير ينعدم الوعي" ومن المقولات الفلسفية التي تؤكد سيطرة الشعور قول "كولا رد":"لذاتنا وآمالنا ومخاوفنا يجري أمام الشعور كما تجري مياه النهر أمام عيني المشاهد"، أما المسلمة الثانية عندهم فتركز على أن الإنسان يملك القدرة على معرفة أسباب سلوكه انه يعي (لماذا فعل ولماذا افعل)ولذلك قال سارتر ":"السلوك يجري في مجرى الشعور".
النقد: أنصار الشعور يمكن الرد عليهم بالقول أن الإنسان تصدر منه افعلا لا يعيها كالأحلام، وهذا يثبت أن أطروحتهم نسبية شكلا ومضمونا.
عرض الأطروحة الثانية:
يدافع أنصار اللاشعور عن موقف مغاير فهم يرون أن اللاشعور هو أساس الحياة النفسية واللاشعور يمثل الجانب الخفي من الحياة النفسية والذي تدفن فيه الرغبات والغرائز المكبوتة، وهم يدافعون عن مسلمتين الأولى تتمثل في أن الحياة النفسية أشبه بجبل الجليد، الجزء الخفي اكبر من الجزء الظاهر هذا ما ذهب إليه "فرويد"حيث قال:"فرضية اللاشعور فرضية لازمة ومشروعة ولنا أدلة على وجوده"، ومن الأدلة التي تثبت اللاشعور" الحالات الباثولوجية" ومثال ذلك الهلوسة حيث يتخيل الإنسان سماع أصوات أو رؤية صورة لا يسمعها ولا يراها غيره وهذا يثبت تأثير الكبت ومن الحجج أيضا التي تؤكد وجود اللاشعور الحيل النفسية أشهرها (الأحلام وفلتات اللسان وزلات القلم) والمسلمة الثانية عندهم تتمثل في أن اللاشعور وسيلة لكشف الأمراض النفسية ولعلاجها، ومن أنصار اللاشعور نجد أيضا "ادلر"الذي قال: "الشعور بالنقص يؤدي إلى التعويض" وهذا يدل على تأثير الدوافع اللاشعورية.
النقد: أنصار اللاشعور يمكن الرد عليهم بالقول أن ربط تصرفات الإنسان بالغرائز المكبوتة تنزله إلى مرتبة حيوانية، إضافة إلى ذلك إن الإنسان لا يتصرف فقط بدوافع نفسية بل يتصرف تحت تأثير عوامل اجتماعية أو دوافع دينية ولذلك أطروحتهم نسبية شكلا ومضمونا.
التركيب: (الفصل في المشكلة)
بداية نقول إن الشعور يرتبط بالوعي وهو حدس الذات لذاتها أما اللاشعور فهو يرتبط باللاوعي هذا التضاد في المفهوم والماهية جعلنا نقف أمام مشكلة العلاقة بين الشعور واللاشعور وللفصل في المشكلة يمكن أن نتحكم إلى حل توفيقي فنقول الحياة النفسية مركبة من الشعور واللاشعور بدليل أن الإنسان يقوم أحيانا بأفعال مدركة قائمة على الوعي والإرادة والاختيار وهذا هو سلوك الإنسان المثقف وفي أحيان أخرى تصدر منه أفعال غير مدركة وغلبت الشعور واللاشعور على الحياة النفسية، تتوقف على ثقافة الفرد وخبرته وتربيته ونضجه وكما قال "ببار جاتيه": "الحوادث النفسية ترتبط بالإنسان ككل".
الخاتمة:
وصفوة القول أن الشعور و اللاشعور إشكالية ارتبطت بعلم النفس وقد تبين لنا أن الجدل يدور بين أطروحتين : واحدة كلاسيكية غلبت كفة الوعي(أنصار الشعور) والأخرى غلبت كفة اللاوعي (أنصار اللاشعور) وكحل للمشكلة نقول ان لحياة النفسية قائمة على ثنائية الشعور واللاشعور في آن واحد.



مقالة "هل أصل المفاهيم الرياضية تعود إلى العقل أم إلى التجربة
السؤال إذا كنت أمام موقفين يقول متعارضين يقول احدهما أن المفاهيم الرياضية في أصلها الأول صادرة عن العقل ويقول ثانيهما أنها صادرة عن التجربة مع العلم أن كليهما صحيح في سياقه ونسقه وطلب منك الفصل في الأمر لتصل إلى المصدر الحقيقي للمفاهيم الرياضية فما عساك أن تفعل؟
طرح المشكل
منذ أن كتب أفلاطون على باب أكاديميته من لم يكن رياضيا لا يطرق بابنا. والرياضيات تحتل المكانة الأولى بين مختلف العلوم وقد ظهرت الرياضيات كعلم منذ القدم لدى اليونانيين.وهي تدرس الكم بنوعيه المتصل والمنفصل وتعتمد على مجموعة من المفاهيم .وإذا كان لكل شيء أصل .ولكل علم مصدر فما أصل الرياضيات وما مصدر مفاهيمها ؟فهل ترتد كلها إلى العقل الصرف الخالص, أم إلى مدركاتنا الحسية والى ما ينطبع في أذهاننا من صور استخلصناها من العالم الخارجي ؟ وبعبارة أخرى هل الرياضيات مستخلصة في أصلها البعيد من العقل أم من التجربة؟
عرض الأطروحة الأولى
أصل المفاهيم الرياضية يعود إلى العقل
يرى العقليون أن أصل المفاهيم الرياضية يعود إلى المبادئ الفطرية التي ولد الإنسان مزودا بها وهي سابقة عن التجربة لان العقل بطبيعته ,يتوفر على مبادئ وأفكار فطرية .وكل ما يصدر عن هذا العقل من أحكام وقضايا ومفاهيم ,تعتبر كلية وضرورية ومطلقة وتتميز بالبداهة والوضوح والثبات ومن ابرز دعاة هذا الرأي نجد اليوناني أفلاطون الذي يرى أن المفاهيم الرياضية كالخط المستقيم والدائرة .واللانهائي والأكبر والأصغر ......هي مفاهيم أولية نابعة من العقل وموجودة فيه قبليا لان العقل بحسبه كان يحيا في عالم المثل وكان على علم بسائر الحقائق .ومنها المعطيات الرياضية التي هي أزلية وثابتة , لكنه لما فارق هذا العالم نسي أفكاره ,وكان عليه أن يتذكرها .وان يدركها بالذهن وحده . ويرى الفيلسوف الفرنسي ديكارت أن المعاني الرياضية من أشكال وأعداد هي أفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية وما يلقيه الله فينا من أفكار لا يعتريه الخطأ ولما كان العقل هو اعدل قسمة بين الناس فإنهم يشتركون جميعا في العمليات العقلية حيث يقيمون عليه استنتاجاتهم ويرى الفيلسوف الألماني "كانط" إن الزمان والمكان مفهومان مجردان وليس مشتقين من الإحساسات أو مستمدين من التجربة ,بل هما الدعامة الأولى لكل معرفة حسية
نقد الأطروحة الأولى
لا يمكننا أن نتقبل أن جميع المفاهيم الرياضية هي مفاهيم عقلية لان الكثير من المفاهيم الرياضية لها ما يقابلها في عالم الحس.وتاريخ العلم يدل على أن الرياضيات وقبل أن تصبح علما عقليا ,قطعت مراحل كلها تجريبية .فالهندسة سبقت الحساب والجبر لأنها اقرب للتجربة
عرض الأطروحة الثانية أصل المفاهيم الرياضية هي التجربة
يرى التجريبيون من أمثال هيوم ولوك وميل أن المفاهيم والمبادئ الرياضية مثل جميع معارفنا تنشا من التجربة ولا يمكن التسليم بأفكار فطرية عقلية لان النفس البشرية تولد صفحة بيضاء .فالواقع الحسي أو التجريبي هو المصدر اليقيني للتجربة.وان كل معرفة عقلية هي صدى لادراكاتنا الحسية عن هذا الواقع .وفي هذا السياق يقولون (لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في التجربة )ويقولون ايضا (ان القضايا الرياضية التي هي من الأفكار المركبة ,ليست سوى مدركات بسيطة هي عبارة عن تعميمات مصدرها التجربة )ويقول دافيد هيوم ( كل ما اعرفه قد استمدته من التجربة) ففكرة الدائرة جاءت من رؤية الإنسان للشمس والقرص جاءت كنتيجة مشاهدة الإنسان للقمر. والاحتمالات جاءت كنتيجة لبعض الألعاب التي كان يمارسها الإنسان الأول .وقد استعان الإنسان عبر التاريخ عند العد بالحصى وبالعيدان وبأصابع اليدين والرجلين وغيرها ,والمفاهيم الرياضية بالنسبة إلى الأطفال والبدائيين .لا تفارق مجال الإدراك الحسي لديهم ,وان ما يوجد في أذهانهم وأذهان غيرهم من معان رياضية ما هي إلا مجرد نسخ جزئية للأشياء المعطاة في التجربة الموضوعية.
نقد الأطروحة الثانية
لا يمكننا أن نسلم أن المفاهيم الرياضية هي مفاهيم تجريبية فقط لأننا لا يمكننا أن ننكر الأفكار الفطرية التي يولد الإنسان مزود بها.وإذا كانت المفاهيم الرياضية أصلها حسي محض لاشترك فيها الإنسان مع الحيوان
التركــــــــــــــــــيب
إن أصل المفاهيم الرياضية يعود إلى الترابط والتلازم الموجود بين التجربة والعقل فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي ولا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني .والحقيقة أن المعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة ,وان فعل التجريد أوجدته عوامل حسية وأخرى ذهنية
الخاتمة
إن تعارض القولين لا يؤدي بالضرورة إلى رفعهما لان كلا منهما صحيح في سياقه , ويبقى أصل المفاهيم الرياضية هو ذلك التداخل والتكامل الموجود بين العقل والتجربة .ولهذا يقول العالم الرياضي السويسري غونزيث (في كل بناء تجريدي ,يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته .وليست هناك معرفة تجريبية خالصة ,ولا معرفة عقلية خالصة.بل كل ما هناك أن أحد الجانبين العقلي والتجريبي قد يطغى على الآخر ,دون أن يلغيه تماما ويقول" هيجل" "كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي"



مقالة :هل الشخصية هدية طبيعية ام اجتماعية؟
المقدمة:الشخصية عند علماء لنفس جانبان فطري ومكتسب فالفطرة هي الجبلة التي يكون عليها المولود وهي الطبيعة الاولىالتي يولد عليها الفرد والفطرة تقابل المكتسب والمكتسب هو مايظاف الى الفطرة وهو ما يمثل التبدلات التي تطرأ على طبيعة الفرد خلال حياته وعليه فهل شخصية الفرد فطرية ام مكتسبة بمعنى اخر هل الشخصية معطى من المعطيات الأولية التي تمنحها الطبيعة للانسان ام انها ثمرة النشاط التجريبي والتدريبي الذي يتم يتم تدريجيا من خلال ممارسة الحياة
التحليل
الشخصية هدية الطبيعة للانسان:
يذهب الكثير من الفلاسفة والعلماء ان الشخصية فطرية مثلا العقليون ومنهم ديكارت ان قونين المعرفة قبلية ومبادئها قبلية ويرى ليبينز ان الانسان يولد وي نفسه استعداد فطري ينتقل من القوة الى الفعل بالتجربة والعمل
اما علماء الوراثة وعلى رأسهم مندليرى ان الطفل يرث استعدادات عن الاباء كما ان علماءالطباع وعلى راسهم لوين يرىان الطبع .العوامل الفطرية. فطري وان للانسلن نفس الطبع منذبداية حياتة حتى نهايتها وهذا جعل العلماء يقولون ان الفطرة هي الاصل وان الاصل ثابت والثابت اقوى منالمتغير وبالتالي الشحصية تحددها الطبيعة
نقد:لكن هل الشخصية تولد جاهزةوكاملة كلا ان الانسان يولدولا يملك القدرة على تمييز جسمه عن باقي اجسام العالم الحارجي.ويذهب ىخرون الى ان الشخصية مكتسبة عن طريق التربية والتعليم اللذين يتلقاها الانسان من المجتمع فيذهب علماء الاحتماع وعلى راسهم دوركايمالى ان كل مجتمع يقوم على الافكار الاجماعية التي تفرضها البيئة الاجتماعية على الوعي الانسلني ويقول البورت لايولد الطفل بشخصية كاملة التكوين ولكن يبدا بتكوينها منذ الولادة وهكذا يؤكد علماء التربية على دور الطرق البيداغوجية في اكتساب المهارات في تكوين شخصية متفوقة وهذا جعل العلماء يقولون بان الشخصية تكتسب بالتدرج مرورا بمراحل تطور الانا فلا شخصية للمولود الجديد ولكن الراشدله شخصية معينة ومحددة.
نقد:لكن هل يعني ان الشخصية مكتسبة كلية.كلا ان هذه العوامل المكتسبة قائمة على تاريخ سابق هو الفطرة
الشخصية هدية الطبيعة والمجتمع معا.
ان المعطيات التي يمنخها المجتمع للفرد عن طريق ما يسمى بالتأثير الاجتماعي تبقى محدودة في الواقع المعطيات التي تمنحها الطبيعةوالوراثة فالمجتمع ليس بامكانه ان يصنع بالفرد مشاء بل كل تشكل للفرد يخضع لنوع الوراثة التى يمر بها الفردمنذ الولادة وبذلك يكون للوراثة دور كبير في تحديد شخصية الفرد كما يكون للمجتمع دور ايضا في تحديدالتى يرغب فيها حيث جاء في الحديث .كالمولود يولد علي الفطر ة فابواه يهودانه او ينصرانهاو يمجسانه.
الخاتمة:ان العوامل الفطرية او مايعرف بالطبع لايكفي وحده في تكوين الشخصية كما ان العوامل المكتسبة اومايعرف بالتطبع لا يكفي هو الآخر في إعطاء الفرد الشخصية الكاملة فالشخصية محصلة تفاعل المعطيات الفطرية والاجتماعية معا.


مقالة :هل الشعور كافي لاتباث الحرية؟
الحرية واحدة من المشاكل والفلسفية اتي تناولها الفكر البشري قيما ولاتزال المسالة الحرية اليوم تعرف نقاشا وجدالا بين الفلاسفة والعلماء حيث نضر اليها القدماء على أنها مسالة تتعلق بالفكر البشري فتساءلوا هل الانسان حر بينما علماء العصر نضروا اليها على انها مرتبطة بالواقع فتساءلوا كيف نتحرر وعليه فهل يكفي شعور الإنسان بالحرية لإثبات وجودها.
التحليل:
الحرية قائمة على الشعور بها:
يذهب بعض الفلاسفة ان الإنسان حر وان افعاله صادرة عنه وهو قادر على الشعور بها وعلى الشعور بانههو الذي يؤديها وقادر على تركهااو القيام بها فالحرية مجرد حالة شعورية يعيشها الانسان وشهادة شعوره تكفي لاثبات وجودها.حيث نجد الفكر الاسلامي في موقف المعتزلة الذي يعرضه احد علماءهم الشهرستاني حيث يقول ان الانسان يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف اذا اراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن ومن انكر ذلك جحد الضرورة. ويقول ديكارت اننا جد متاكدينمن الحرية وليس هناك شيء نعرفه بوضوح اكثر مما نعرفها.كما يقول جاك بوسوية كلما ابحث في اعماق نفسي عن السبب الذي يدفعني الى الفعل لا اجد الا حريتي وهنا اشعر شعورا واضحا بحريتي. وهكذا تكون الحرية حالة شعورية والشعور بالحرية يكفي دليلا على وجودها.
نقد:لكن الشعور قد يكون مضللا لصاحبه فكثيرا ما نكون متأكدين من أمر م انه حقيقة لكن لا نلبث إن نكتشف اننا كنا مخطئين.
الشعور لايكفي دليلا على وجود الحرية ..الحرية قائمة على العمل والممارسة.
يذهب بعض الفلاسفة وخاصة انصار الحتمية ان الحرية ليست مجرد شعور بل هي عمل وممارسة يومية اذ نجد في الفكر الاسلامي موقف الحريةبزعامة جهم بن صفوان حيث يرون ان الله هو القادر وهو الفاعل فلاارادة للانسان امام ارادة الله المطلقة فكل مايفعله الانسان مقدر عليه من قبل الله والى راي قريب من هذا يذهب سيبينوزا الذي يقول ان الإنسان مجر على فعل الفعل بعلة ما.
اما في الفكر الحديث فالحرية لم تعد حالة جاهزة يعيشها الإنسان بل هي الغاية التي يسعى الى تحقيقها عن طريق العمل والممارسةالذي يمكنه من تجاوز الحتمية ولعل كارل ماركس اهم من عالج مشكلة الحرية انطلاقا من واقع إنساني مليء بالقيود يناضل فيه المرء من اجل التحرر
والتحرر يقتضي ربط الفكر بالعمل من اجل إدراك الحتميات ثم تجاوزها وهناك يقول ماركس الحرية وعي بالقيد. والعمل من اجل التحرر يكون على مستويات ثلاث
التحرر على مستوى الذات-التحرر على مستوى المجتمع-التحرر على مستوى الطبيعة
نقد: لكن التحرر الذي يهدف اليه الانسان يجب ان يكون واعيا ومخططا له وهو ما يتطلب عملية الوعي والفهم والشعو  وبالقيد اولا ثم العمل على تجاوزه بطريقة تجعله مسخرا لخدمة الإنسان.
الحرية قائمة على الشعور بالقيد ثم العمل على تجاوزه
الحرية لا تخلو من الشعور ولكن الشعور لا يكفي وحده لا يثبت الحرية كما ان العمل ضروري لتحقيق الحرية ولكن العمل المقرون بالوعي والشعور أفضل واسلم للبشرية جمعاء فالتقدم والتطور الذي يمر بتدمير الطبيعة لا يحقق لإنسان حريته
الخاتمة :
الحرية هي ذلك الفعل الواعي الذي يتحقق مع الانسان باستمرار فبقدر ما يمتلك الإنسان من العلم والمعرفة بقدر ما يكتشف القيود وبقدريعمل على تجاوز هذه القيود بقدر ما يحقق حريته ويقول محمد عبده الإنسان حر في حدود ارادته وقدرته
مقالة : هل يكفي التكرار لاكتساب العادة.؟
المقدمة:تعرف العادة على انهها سلوك مكتسب بالتكرار ويعرف ابن سينا التكرار بأنه إعادة الفعل الواحد مرات عديدة زمنا طويلا في وأوقات متقاربة فهل تكوين العادة يتوقف على دور التكرار؟
التحليل
العادة تكتسب بواسطة التكرار:
يؤكد أنصار النضرية الآلية على دور التكرار في اكتساب العادة حيث قال ارسطو العادة وليدة التكرار .فحفظ قصيدة شعرية يتم بالتكرار بحيث تصبح الكلمة عن طريق الاشرط إشارة تدعو الكلمة التي تاتي بعدها
وهو ما تؤكد عليه النزعة الارتباطية التي ترى ان اكتساب العادة ماهو التكرار حركات وربط بعضها البعض بحيث تصبح حركات الفعل منسجمة ومترابطة فالحفظ عن ظهر القلب يعني ربط الحركات ربطا قويا
نقد: لا يمكن انكار دور التكرار في تكوين العادة لكن الحركات فيها تجديد والذي يكتسب عادة لا يعيد الحركات ذاتها بل يعدلها وعليه فالتكرار وحده لا يكفي
العادة لا تكتسب بالتكرار وحده بل لابد من الوعي
يذهب انصار النضرية العلية الى ان اكتساب العادة يتم بواسطة العقل والإرادة ولاهتمام الذي يوليه الشخص لمحاولاته حيث يرى فو دير فيلت ان الحركة الاخيرة اى العادة ليست مجرد اعادة الحركات السابقة حيث يقول الجركة الجديدة ليست مجرد تجميع للحركات القديمة وهذا الراى نجده عند الكثير من لانصار الاتحاه العقلي حيث قسم مين دي بيران العادة الى عادات منفعلة وعادات فاعلة وهي التي يتدخل فيها العقل والإرادة

نقد: لا يمكن دور القعل في تتبع الحركات لك الواقع يكشف دور التكرار في اكتساب العادة فلايمكن إنكاره
العادة وليدة التكرار والوعي:
العادة سلوك يكتسب بالتكرار وليس سلوكا لا شعوريا بل سلوك يخضع الى العقل الذي يراقبه ويعدله كلما اقتضت الضرورة حيث يقول بول غيوم في كتابه تكوين العادات ان علم النفس لايجد صعوبة في استخلاص شرطين في تكوين العادات وهما من جهة مرات التكرارالفعل من جهة اخرى الا هتمام الذي يوليه الشخص لفشله او نجاحه.
ان التكرار هو العمل الجوهري والمباشر في اكتساب العادة بينما الإرادة والوعي والاهتمام هو العامل المتمم وغير المباشر في تكوين العادات.

هل يمكن تصور وجود أفكار خارج إطار اللغة ؟
الطريقة الجدلية
المقدمة : إدا كان الفكر هو عمل العقل الدي يحدث داخل النفس,وكانت اللغة عبارة عن أصوات ورموز خارجية يستعملها الإنسان ليتصل بغيره,فان الإنسان هو الكائن الوحيد الدي يملك القدرة على ترجمة ونقل أفكاره للآخرين,ولهدا اهتم الفلاسفة قديما وحديثا بمشكلة العلاقة بين اللغة الفكر وتناولوها وفق مداهبهم واتجاهاتهم المختلفة فهل اللغة و الفكر مفهومان متصلان وبعبارة أخرى هل يمكن الجزم باستقلالية الألفاظ عن معانيها ؟
القضية الأولى : عرض موقف الاتجاه الثنائي
يرى أنصار هده النظرية وفي مقدمتهم الفرنسي برغسون إن هناك انفصال تام بين اللغة والفكر.ويقرون بأسبقية الفكر على اللغة الآن الإنسان يفكر بعقله قبل أن يعبر بلسانه,فكثيرا ما يشعر بسبيل من الخواطر والأفكار تتزاجم في نفسه.لكنه يعجز عن التعبير عنها.فاللغة عاجزة عن ابراز المعاني تامتولدة عن الفكرابرازا كاملا ويقول*برغوس(-اعتقد إننا نملك أفكاراأكثر مما نملك أصواتا) ومنه فان اللغة دوما تعيق تقدم الفكروتدور المعاني أسرع من تطور الألفاظ هي قبور المعاني ويقول فاليري (أجمل الأفكار هي التي لا نستطيع التعبير عنها)كما إن ابتكار الإنسان وسائل بديلة للتعبير عن مشاعره كالرسم والموسقىوغيرهما دليل قاطع على أن اللغة عاجزعن استيعاب فكر الإنسان
لكن الفصل المطلق بين الفكر واللغة أمر غير مقبول واقعيا لان الإنسان يشعر بأنه يفكر ويتكلم في أن واحد وعملية التفكير في الواقع لا تتم خارج إطار اللغة



القضية الثانية عرض موقف الاتجاه الأحادي
يرى أصحاب هده النظرية انه لا يوجد فرق بين اللغة والفكر.فاللغة عند جون لوك(هي علامات حسية معينة تدل على الأفكار الموجودة في الدهن)ومنه فإننا نفكر بلغتنا ونتكلم بفكرنا.وقد اثبت علماء النفس أن الطفل يتعلم اللغة والفكر في آن واحد.ويقول *دولا كروا*إن الفكر يصنع اللغة وهي تصنعه.الألفاظ حصون المعاني.ويخلص أنصار الاتجاه الأحادي إلى نتيجة مفادها انه لا يوجد فكر بدون لغة كما لا توجد لغة بدون فكر.وان اللغة والفكر كل متكامل والعجز الدي توصف به اللغة هو عجز إيجاد الألفاظ المناسبة للفكر ويقول أرسطو(ليس ثمة تفكير بدون رموز لغوية).
لكن الإنسان يشعر بعجز اللغة عن مسايرة الفكر.فالأدباء على الرغم من امتلاكهم لثروة لغوية كبيرة يعانون من مشكلة التبليغ.
الخاتمة:
إن اللغة والفكر شيئان متداخلان ومتكاملان فهما وجهان لعملة واحدة ومن الصعب وضع فاصل بينهما ولهدا يقول زكي نجيب محمود إن الفكر هو التركيب اللفظي أو الرمزي لا أكثر ولا أقل).



أصل الرياضيات
  هل يمكن رد أساس الرياضيات إلى معطيات العقل أم الحواس ؟
انفصلت الرياضيات عن الفلسفة نتيجة وجود موضوع معين للدراسة ومنهج متبع في ذلك إلا أن وجود أي علم يستلزم وجود أساس يقوم عليه أو مصدر يحدثه ، ونتيجة ارتباط وجود الشيء بالواقع ذهب البعض إلى التأكيد على أن أصل المفاهيم الرياضية التي توصل إليها الفرد هو التجربة الحسية " أي الواقع الحسي " أو مدركاتنا الحسية ، لكن عندما كانت الرياضيات تدرس موضوعات مجردة من كل مادة حسية كانت القضايا التي تقررها مطلقة ويقينية معتمدة في ذلك على العقل ، وهذا ما يؤكد طابعها العقلي .الاختلاف بين التصورين ترتب عنه جدلا بين الفلاسفة والعلماء حول أصل المفاهيم الرياضية  فهل يمكن رد أساس الرياضيات إلى العقل أم التجربة .؟
    **  يرجع وجود الرياضيات إلى العقل ، هذا ما أكد عليه العقليون أو المثاليون الذين يقرون بإمكان الإنسان الوصول إلى تحقيق معرفة جوهرية عما يحيط به من أشياء بواسطة الاستدلال العقلي الخالص بغير اللجوء إلى مقدمات تجريبية ، فالعقل بطبيعته يتوفر على مبادئ وأفكار فطرية سابقة للتجربة الحسية  وتتميز بالبداهة والوضوح ، وأن كل ما يصدر عن هذا العقل من أحكام وقضايا ومفاهيم يعتبر ضروريا وكليا ومطلقا ، وعلى هذا الأساس حصر هؤلاء الرياضيات في أنها جملة من المفاهيم المجردة أنشأها الذهن واستنبطها من مبادئ ومن دون الحاجة إلى الرجوع للواقع الحسي ، وذلك لأن الذهن توجد فيه مبادئ قبلية سابقة للتجربة ، وهو ما يؤكد بأن المعرفة الرياضية تتصف بمميزات منها المطلقية والضرورة والكلية ، وهي مميزات خالصة موجودة في المعرفة الرياضية وتتعذر في غيرها من العلوم التي تنسب إلى التجربة ،ذلك لافتقارها  للقدرة الذهنية والعقل الإنساني ،فالمكان الهندسي والخط المستقيم ومفاهيم العدد واللانهائي ، والأكبر والأصغر وغيرها كلها معان رياضية عقلية مجردة لا تدل على أنها نشأت عن طريق الملاحظة الحسية ، إنما هي صادرة عن العقل ، وإذا أردنا أن نستقرأ هذه النظرة عبر تاريخ الفكر الفلسفي فنجدها مجسدة في الفكر الفلسفي اليوناني حيث نجد اليونان هم الذين نقلوا الممارسة الرياضية من عالم الحس إلى عالم العقل ، من التطبيق العملي إلى التفكير المجرد فجعلوا الرياضيات تتناول ما هو ثابت وأبدي لا ما هو متغير ومؤقت ، وهنا نجد الفيلسوف اليوناني أفلاطون يعتقد أن المعطيات الأولية للرياضيات توجد في عالم المثل ، وذلك لأن العقل حسبه كان يحيا في هذا العالم وكان على علم بسائر الحقائق ومنها المعطيات الرياضية الأولية والتي هي أزلية وثابتة كالمستقيم والدائرة والتعريف الرياضي ، لكنه عند مفارقته لهذا العالم نسي أفكاره فكان عليه أن يتذكرها وأن يدركها بالذهن وحده يقول أفلاطون :" ليست مهمة العلم الرياضي خدمة التجار في عملية البيع والشراء كما يعتقد الجهال ، بل تيسير طريق النفس في انتقالها من دائرة الأشياء الفانية إلى تأمل الحقيقة الثابتة الخالدة". فالمثلث المرسوم على الأرض أو الورق مثلا لا بد أن يلحقه نقص ، فقد لا يكون مستويا تمام الاستواء ، وقد لا تكون أضلعه مستقيمة تمام الاستقامة ، وعلى العكس من ذلك المثلث القائم في الذهن فهو كامل من جميع الوجوه ( 1 ) والعلاقة هنا بين الشكل الهندسي كما هو في الذهن وبين الشكل نفسه كما يرسم على الورق كالعلاقة بين الفكر والكلمة ، فكما أن الكلمة لا تعبر عن الفكر تعبيرا كاملا فكذلك الأشكال الهندسية الحسية فهي لا تعبر تمام التعبير عن الكلمات الهندسية كما هي موجودة في عالم الذهن أما في مجال الأعداد فقد صرف اليونان ومعهم أفلاطون نظرهم إلى البحث في بعض الأعداد والتأكيد على صفة المطلقية أو الأعداد الكاملة ، فالعدد الكامل عندهم هو الذي يساوي مجموع قواسمه مثل العدد " 28 " فهو يساوي مجموع الأعداد التي يقبل القسمة عليها قسمة صحيحة وهي" 1 ، 2 ، 4 ، 7 ، 14  = 28 " وبهذا المنطق اثبت أفلاطون وغيره من الفلاسفة اليونان أن الرياضيات أصلها مصدرها العقل ، وهي تمتاز باليقين والمطلقية ، صالحة لكل زمان ومكان وبعيدة عن الواقع الحسي .
أما إذا جئنا إلى الفلسفة الحديثة وجدنا  الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت يعتبر أن المعاني الرياضية من أعداد وأشكال وأفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية مثل فكرة الله ، وأن هذه الأفكار تتمتع بالبداهة واليقين ، ولما كان العقل أعدل الأشياء قسمة وتوزيعا بين الناس فإنهم جميعا يشتركون في العمليات العقلية  حيث يقيمون عليها استنتاجاتهم ، فاليقين في الجبر مثلا حسب ديكارت يرجع إلى أنه مبنى على قواعد صورية منتظمة تطبق بشكل آلي – بوضوح تام – على الرموز بقطع النظر عن القيم التي يمكن أن تعطى لها ، وبذلك يتأتى لنا إنشاء عوالم وأشكال هندسية يعجز تصورنا الحسي عن تشييدها أو تمثيلها ، الشيء الذي يمكننا من التعامل مع كائنات رياضية جديدة قد لا يكون لها مقابل في الواقع الحسي .( 2) لهذا اعتبر ديكارت الرياضيات مثال الدقة والوضوح والبداهة بعيدة عن الشك ، فنحن لا نقبل قضية أو معتقد إلا إذا كان صادقا صدقا ذاتيا ، لأن الرياضيات تقوم على مبادئ وأفكار فطرية قبلية أوجدها العقل ولم يستمدها من الخبرة ، وهذه المبادئ تمتاز بالوضوح لذلك فهي صادقة ولا يمكن الشك فيها ، كما أن الرياضيات بنوعيها " الجبر والهندسة " أكثر العلوم دقة لأنها إستنتاجية عقلية ولا تعتمد على التجربة .
 ولهذا عندما كانت الرياضيات معطى عقليًا كانت من حظ الإنسان دون غيره من الأنواع الحيوانية الأخرى التي تشترك معه في الجهاز الحسي وهذا نتيجة امتلاكه للعقل ، إضافة إلى ذلك نجد أن المفاهيم الرياضية التي نجسدها على الواقع أو الورقة أو أي سطح هي مظهر من الصورة الحقيقية الموجودة في العقل ، فالدائرة المرسومة ليست هي الدائرة بالمعنى الحقيقي ، أي أن كل مفهوم رياضي ليس له ما يقابله في الواقع الحسي ، فإذا لم نقل بالطابع العقلي لها كان كل مفهوم يوجد في الذهن له ما يقابله في الواقع الحسي وهذا يخالف الواقع " مفهوم الدائرة يصدق على ما لانهاية من الأشياء ، وهذا كله راجع إلى أن الرياضيات قضاياها مجردة علاقاتها في منأى عن أي تغيير مثل +، = ،..... إلخ وهذا تأمل خاص يتسم بالصورية والتجريد ، وخال من التناقض الشيء الذي من شأنه أن يجعل الرياضيات تتسم بالصدق واليقين . كما أن ظهور الهندسة اللإقليدية أكد الطابع العقلي للرياضيات ، حيث نجد هذه الأخيرة صحيحة وصادقة رغم أن بناءها قائم أساسا على الافتراض الذي يجسد ارتباط الصدق فيها بعدم تناقض النتائج مع المقدمات داخل النسق ، وما هذا إلا نشاط ذهني . 
  النقد : 
 لايمكن نفي دور العقل في تحديد المفاهيم الرياضية ، كون الرياضيات كعلم عقلي مجرد يستلزم تدخل العقل في ذلك ، إلاّ أن هذه النظرة مبالغ فيها كون العقل إذا عزل عن معطيات الحواس لا يعطينا إلاّ أوهام وتخيلات ميتافيزيقية لا مفاهيم رياضية منطقية ، لأن لا وجود لمنطق سليم غير منطق العقل وهذا ما يثبت أنه لا يمكن اعتبار أصل المفاهيم الرياضية هو العقل .
النظرة التجريبية { الأصل التجريبي }
  المبادئ والمفاهيم الرياضية مثل جميع معارفنا فيما يرى الحسيون والتجريبيون مستقاة من الحس والتجربة ، وأنه ليس ثمة في العقل شيئا إلاّ ما تمده به المعطيات الحسية ، ولذلك فجميع أفكارنا يمكن أن تحلل – في نظرهم – إلى مدركات بسيطة مستمدة من التجربة ، والقضايا الرياضية التي يتخذ منها العقليون حجة لهم ليست في نظر جون ستيوارت ميل سوى تعميمات تجريبية مثلها مثل باقي الأفكار المجردة ، على أن منهم من يرى أن القضايا و الأفكار التي لا تستمد من التجربة ليست سوى عبارات فارغة من المعنى  ، كون هذه الأخيرة هي المصدر اليقيني لكل أفكارنا ومعارفنا ، وأنها هي التي تخط سطورها على العقل الذي هو شبيه بالصفحة البيضاء ، وليس ثمة في ذهنه معارف عقلية قبلية مستقلة عما تمدنا إياه الخبرة وتلقنه له الممارسات والتجارب ، وفي هذا الصدد يقولون :" لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في التجربة ." ، ويقولون أيضا إن القضايا الرياضية التي هي من الأفكار المركبة ليست سوى مدركات بسيطة نتيجة التأمل ، وأنه عند تحليلها ترتد إلى مصدرها الحسي الذي هو صورة من صور التجربة الحسية الخارجية . فالطفل في مقتبل عمره يستعمل العيدان  أو يستخدام  الحصى أو الأصابع هذا ما أوحى له  بفكرة العدد ،كما أن أشكال بعض الأشياء الطبيعية توحي بفكرة الأشكال الهندسية مثل قرص القمر أوحى للإنسان بفكرة الدائرة ، وهذا ما أثبته تاريخ الرياضيات عندما بين أن تجربة مسح الأراضي كما يمارسها قدماء المصريين هي التي أدت إلى نشؤ الهندسة ، إذ نشأ هذا الأخير إلى جانب علم الحساب وغيره من العلوم في مصر الفرعونية تحت ضغط الحاجات الإقتصادية والاجتماعية ، ففيضانات وادي النيل دفعت المصريين القدماء إلى ابتكار طرق وأساليب هندسية لتحديد مساحات الحقول وتنظيم الزراعة والري ، كما أن  اهتمامهم ببناء الأهرامات جعلهم يتقدمون في استعمال الخطوط والحساب ، وتدل المتوفرة حاليا على أن المصريين القدماء كانوا يعرفون كيف يستخرجون مساحات بعض الأشكال الهندسية حتى تلك التي تتطلب القيام بعمليات معقدة نوعا ما " مساحة نصف الكرة ، حجم جذع الهرم ذي القاعدة المربعة الشكل ، المثلث المتساوي الساقين ، خاصية الوتر في المثلث القائم الزاوية ..... ، إلخ " .
إضافة إلى هذا كله نجد تاريخ العلم يدلنا أيضا على أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلة كلها تجريبية ويشهد على ذلك أن العلوم الرياضية المادية هي التي تطورت قبل غيرها ، فالهندسة كفن قائم بذاته سبقت الحساب والجبر لأنها أقرب إلى التجربة .وبهذا يصبح أصل الرياضيات هو التجربة لا مصدر آخر .
النقد :
  صحيح أن التجربة والواقع يمدان العقل بمختلف المعارف ، إلاّ أن هذا المبرر غير كاف لجعل التجربة الحسية مصدرا وأساسا لعلم الرياضيات ، ذلك أن الإقرار بذلك يوقعنا في تناقض مع طبيعة الرياضيات التي علم عقلي مجرد موضوعه المفاهيم الكمية القابلة للقياس .



التركيب :
 عند النظر في ما جاءت به النظرية العقلية والنظرة الحسية نجدهما يفصلان بين العقل والتجربة ، رغم أن تاريخ الرياضيات يبين لنا أن المعاني الرياضية لا يمكن اعتبارها أشياء محسوسة كلها ، ولا مفاهيم  معقولة خالصة ، بل يمكن أن يتكاملا معا لتفسير نشأة المعاني الرياضية ، لهذا فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي ، ولا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني بمعزل عن ملكة التجريد ، لذا نجد المعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة بل نمت وتطورت  بالتدريج عبر الزمن ، فقد بدأت حسية تجريبية ، ثم تطورت وأصبحت مفاهيم استنتاجيه مجردة ، بل تعبرعن أعلى مراتب التجريد باستعمال الصفر، الأعداد الخيالية والمركبة ، المنحنيات التي لا مماس لها ، المجاهيل " س " ، .... لهذا قال بياجي " إن المعرفة ليست معطى نهائي جاهزا ، وأن التجربة ضرورية لعملية التشكيل والتجريد ."  ، وهذا ما يثبت دور العقل والتجربة في إعطائنا مفاهيم رياضية ، وهنا نجد العالم الرياضي السويسري فردينناد غونزيث يقول :" في كل بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته ، وليست هناك معرفة تجريبية خالصة ، ولا معرفة عقلية خالصة ، بل كل ما هناك أن أحد الجانبين العقلي والتجريبي قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه تماما ." .
  **  يمكن القول في الأخير أن أصل الرياضيات وإن اختلفت فيه وجهات النظر يكون نتيجة تكامل أساسي العقل والتجربة ، مع القرار بالغلبة للعقل كون الرياضيات علم عقلي والإقرار بعكس ذلك يوقعنا في تناقض ، كون الرياضيات عالم العقل والتجريد ، وهذا ما أثبته تطور الرياضيات في العصر الحديث حيث ابتعدت عن الطابع الحسي المطلق نتيجة التجريد المعتمد . 



الموضوع : اليقين في التجربة
طرح المشكلة :
  لقد كان لانفصال العلوم التجريبية عن الفلسفة  أهمية كبيرة نتيجة اتخاذه الظواهر الطبيعية موضوعا له ، ومن التجربة مقياسا لتحديد درجة اليقين المتوصل إليه ، ونتيجة خضوع هذه الظواهر لنظام ثابت لارتباط حدوث هذه الظواهر بتكرار نفس الشروط والأسباب أصبح اليقين المتوصل إليه من خلال التجربة مطلق وثابت ، وبالتالي إمكانية التنبؤ بحدوث الظواهر في المستقبل ، لكن التطور الذي عرفته العلوم في العصر الحديث خاصة في مجال الفيزياء جعل البعض يعتقد بأن اليقين الذي كانت تنشده التجربة أصبح نسبي . فإلى أي مدى يصح هذا الاعتقاد ؟ وهل يمكن القول بمشروعية المنهج الاستقرائي في ظل التطورات الحديثة في مجال العلم ؟
محاولة حل المشكلة :
اليقين في التجربة نسبي لأن النتائج المتوصل إليها متغيرة ولا تنطبق على جميع الظواهر ، ويمكن التماس هذا التصور على مستوى التنبؤ بحدوث الظاهرة في المستقبل والتحكم في الظواهر ، فمن المستحيل نظريا أن يتم التنبؤ بالمستقبل على وجه الأكمل ، ما دام المنهج العلمي يقوم على استقراء غير شامل لجميع الظواهر ، والقانون العلمي يقوم على ملاحظة حسية تتناول ظاهرة جزئية في زمانها ومكانها ، ومع ذلك فإنه يسحب على جميع ما يشبهها من ظواهر في الماضي والحاضر والمستقبل ، ولقد ألح فلاسفة العلوم على صفة الترجيح والاحتمال وأقروا أنه ليس يقينيا كما هو الحال في العلوم الصورية من منطق ورياضيات وهنا يقول زكي نجيب محمود :" .. نعم والعلوم الطبيعية كلها قائمة على الترجيح لا اليقين ، لأن اليقين لا يكون إلاّ في القضايا التكرارية التي لا تقول شيئا جديدا كقضايا الرياضيات وأما القضايا الإخبارية التي تنبئ  بجديد فهي دائما معرضة لشيء من الخطأ ولذا فصدقها احتمالي ". وهذا تأكيد على أن اليقين في الاستدلال التجريبي نسبي وليس مطلق ، وبالتالي فإن المنهج العلمي غير مشروع مادامت النتائج المتوصل إليها غير يقينية ، هذا ونجد أبو حامد الغزالي ينكر أن تكون ظاهرة ما سببا في حدوث الأخرى ، لأن السبب الأول والوحيد لكل ظاهرة عنده هو الله عز وجل لأنه القادر على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، يحدث العالم بإرادته ويبطله بإرادته ، ومعنى السبب عنده هو الشيء الذي يحصل عنده الآخر وليس به يقول :" ليست النار هي التي تحرق القطن لأن النار جماد لا فعل لها ، فاعل الاحتراق في القطن هو الله عز وجل ".
وفي السياق نفسه نجد الفيلسوف الانجليزي دافيد هيوم  يثير الشك حول نتائج التجربة وبالتالي المنهج الاستقرائي ،حيث يؤكد على أنه لا يوجد دليل عقلي أو تجريبي يدل على صدق الاستقراء أو يبرر الاعتماد عليه في الكشف عن صدق القضايا ، ولا يمكن أن نثق في الاستقراء إلاّ إذا كانت القضايا العامة التي يتصور صدقها مماثلة للقضايا الرياضية التي تمتاز بالصدق واليقين ، فنحن مثلا نستطيع أن نبرهن عقليا على أن الشمس تشرق غدا ، لهذا فإن صدق القضايا الاستقرائية في الماضي والحاضر ليس دليلا على صدقها في المستقبل ، والمبرر الوحيد لذلك أننا تعودنا على رؤية تعاقب الظواهر مثل تعاقب الليل والنهار ، أو تعاقب البرق والرعد ، فاعتقدنا بذلك أن الشمس تشرق غدا وأن الرعد يتبع البرق ، وعليه تصبح المبادئ الموجود في الذهن مرتبطة بمعطيات التجربة الحسية وما تعود على رؤيته الأفراد .
إضافة لذلك نجد أن ما يبرر القول بأن اليقين في التجربة نسبي هو الانطلاق من مقدمات غير مؤكدة مجسدة في المبادئ التي يعتمد عليها العقل عند الاستدلال ، وهنا نجد جون ستيوارت ميل لا يعتبر مبدأ السببية العام مبدأ فطريا ولا يقر بصدقه إلاّ إذا أكدته الطرق الاستقرائية ، لهذا أكد أنه ليس كل متقدما سببا ، فالليل يسبق النهار ، ولا يعتقد أحد أن الليل سبب حدوث النهار ، لأن سبب حدوثه هو إشراق الشمس ثم هذا مثلا حريق اشتعل في غابة حين سقط منا عود الثقاب ، أيحق لنا اعتبار عود الثقاب هذا سببا في احتراق الغابة ؟ إن الملاحظة الدقيقة تكشف لنا أمور منها : أنه لولا قابلية الخشب للاحتراق ، ولولا وجود الأكسجين في الهواء ، ولولا وجودنا في الغابة وعدم انتباهنا لما حدث ، ما أشعل الثقاب الغابة . كما أن الدراسات الحديثة في مجال الفيزياء بينت أن اليقين في التجربة نسبي لأن النتائج المتوصل إليها لا تنطبق على جميع الظواهر فقد بين بلانك بنظريته المعروفة بالكوانتا أي الكمات أن الذرة المشعة لا تصدر طاقتها بصفة منتظمة أو متصلة ،وإنما تصدرها بصفة انفصالية أو بصدمات ،فإصدار الطاقة الانفصالية الذي يتم بالصدمة ، يفترض أن إصدار الأشعة هو ظاهرة إحصائية ،ولقد توصل العلماء بعد بلانك في الميدان الفيزيائي إلى أنه يستحيل تعيين موقع دقيقة ذرية وسرعتها معا تعيينا مضبوطا ومباشرا ، يمكن تقدير بالتدقيق ،ولكن تدخل أداة الملاحظ تحول إلى حد ما ، دون معرفة السرعة ، وهنا يؤكد هيزنبرغ أن مبدأ الحتمية ليس مطلقا و لا يصدق على ظواهر الطبيعة خاصة العالم الأصغر أو ما يطلق عليه بالميكرو فيزياء " الظواهر المتناهية في الصغر" ، إذ تبين من خلال الحقائق العلمية الجديدة أن هذه الظواهر تفلت من قبضة الحتمية وتدخل في مجال آخر هو مجال اللاحتمية يقول هيزنبرغ واصفا النتائج والمفاهيم العلمية :" ... غير أن المفاهيم العلمية الموجودة لا يمكنها أن تشمل أبدا إلاّ جانبا محدودا جدا من الواقع ."  هذا يعني أن الأسباب ذاتها تولد النتائج نفسها في مستوى الفيزياء المدرسية أو فيزياء العين المجردة أو ما يطلق عليها بعالم الماكروفيزياء  " المتناهية في الكبر " لكن كل شيء يبدو على غير هذا إذا أردنا تطبيق مبادئ العلية على عالم الذرة أو نقيس الغائب بواسطة  الحاضر يقول إدنجتون :" إن الإيمان بوجود علاقات دقيقة وصارمة في الطبيعة والذي اعتمد عليه العلم عصورا طويلة ليس إلاّ نتيجة للطابع الساذج الذي تتصف به معرفتنا للكون .."
هذه الدراسات الحديثة في مجال الفيزياء أدت إلى ظهور الطابع الإحصائي للقوانين العلمية ورفض مبدأ الحتمية وها ما تجلى في الدراسات التي قام بها هيزنبرغ وآنشتاين عند محاولتهم قياس شدة وسرعة حركة الإلكترون ، حيث عجزوا عن القيام بذلك يقول هيزنبرغ :" إن الإلكترون لا يمكن تحديد موقعه وسرعته في آن واحد فكلما سلط عليه الضوء لتحديد موقعه كلما انحرف عنه ." .
 كما أننا نجد التفسير النسبي لليقين في التجربة مرتبط بتغير عالم الأشياء المستمر ، وعلى الرغم من التسليم بمبدأي الحتمية والاطراد وهذا لأن نظام الظواهر غير ثابت ، وهنا نجد الفيلسوف اليوناني هيراقلطس يؤكد على أن الصيرورة هي جوهر الكون وحقيقته ، فلا شيء يدوم على حال معينة لحظتين متتابعتين ، وأن هذا البقاء الذي ننسبه للأشياء مع اختلاف في الطول والقصر باختلاف الأشياء نفسها خداع من الحواس ولا يتفق مع الواقع كما يخيل إلينا ، إن الموجة مثلا تظل هي بعينها تحبو على سطح الماء حتى ترتطم على صخرة الشاطئ ، مع أن الحقيقة المعروفة هي أن الموجة وإن احتفظت بصورتها الخارجية ، فإن ماءها الذي تتكون منه يتغير في كل لحظة زمنية وهكذا الأمر في كل شيء الشيء الذي جعله يشبه الأشياء كلها بالنهر الذي نراه من بعيد هادئا ولكنه متحرك نحو مصبه .
    النقد :
 صحيح أن التطورات التي عرفها العلم جعلت من النسبية الميزة المميزة له ، لكن هذا غير كاف لجعله مبررا لنفي مبدأ الحتمية ، لأن كل ظاهرة مهما كبرت أو صغرت فهي تخضع لشروط محددة ، كما أن العلم تطور ووصل درجات اليقين عندما آمن الباحث أن نظام الظواهر ثابت قائم أساسا على مبادئ العلية .
      اليقين في التجربة مطلق ما دامت الظواهر تخضع لنظام ثابت ويتكرر بنفس الطريقة ، هذا ما حاول أن يؤكد عليه العديد من العلماء خاصة في القرن التاسع عشر  كون مبدأ الحتمية مطلق ، وبالتالي فلا مجال للصدفة والاحتمال ما دامت الظواهر الطبيعية تخضع لنظام مطرد بعيدا عن التناقض والاضطراب ، وهذا ما يثبت مشروعية التنبؤ وبالتالي مشروعية الاستقراء القائمة على مبدأ السببية العام يقول كانط  في هذا المجال أن هذا المبدأ لا يمكن أن يتطرق إليه أدنى شك لأنه مبدأ عقلي يدل على أن لكل حادث سبب يحدثه ، وأن نفس السبب يؤدي إلى نفس النتيجة .
   ومن هنا كان المبدأ العقلي شرطا ضروريا لتفكير الإنسان ، وهذا ما ذهب إليه تقريبا هنري بوانكاري عندما رفض الفكرة القائلة بأن الطبيعة مضطربة ومعقدة ، إذ لو كانت هذه الفكرة صحيحة لما وجد العلماء أي أساس يعتمدون عليه في تعميم أحكامهم أو يتنبؤون بحدوث الظواهر في المستقبل ، خاصة وأن التنبؤ عنصرا أساسيا في العلم ، لهذا فإن نظام الظواهر الطبيعية لا يقبل الشك أو الاحتمال ، يقول غوبلو :" العالم متسق تجري حوادثه على نظام ثابت ، وأن نظام العالم كلي وعام فلا يشذ عنه في المكان حادث أو ظاهرة ، فالقانون العلمي إذن مرتبط بالعلاقة الضرورية بين الظواهر ." وبهذا أصبح اليقين في التجربة العلمية مطلق .
   النقد :
  صحيح أن العقل البشري يحاول أن يتجاوز الشك والصدفة في مبدأ الحتمية ،لكن التطورات الحديثة التي ظهرت في ميدان العلم جعلت الإنسان عاجز على التنبؤ بكل ظواهر الطبيعة خاصة ما يتعلق بالعالم الأصغر .
    التعارض الموجود بين التصورات حول مسألة اليقين في التجربة بين النسبي والمطلق جعل العلم يخضع إلى  الحتمية النسبية ، فقد توصل العلماء لإلى ضبط العديد من الظواهر المتناهية في الصغر واستخرجوا قوانين حتمية في الوراثة والذرة ، وهنا يقول أحد الفلاسفة  " لانجفان " : إن نظريات الذرة في الفيزياء الحديثة لا تهدم مبدأ الحتمية وإنما تهدم فكرة القوانين الصارمة الأكيدة ، أي تهدم المذهب التقليدي ."
    إن الفيزياء الحديثة لم تظهر بسبب عدم  حتمية الظواهر وإنما بسبب ما تنطوي عليه  أدوات من نقائص ، وهذا ما يثبت أن الإنسان يجهل القوانين الصارمة التي تنطبق على عالم اللامتناهيات في الصغر ، لهذا فإن مرحلة عالم الذرة مؤقتة وستزول عندما يتجاوز الإنسان النقص في وسائله التجريبية ، فتصبح الطبيعة بعالميها الأكبر والأصغر تخضع لشروط محددة ومعروفة . 
قارن بين السؤال المشكلة .
   الطريقة  : مقارنة
             ** عندما كانت المعرفة خاصية إنسانية سعى الإنسان منذ القديم إلى محاولة تجاوز مختلف العراقيل ومعرفة مختلف الشروط والأسباب التي تتحكم في حدوث الظواهر التي هو خاضع لها حتى يتمكن من التكيف ،هذه العملية تتم من خلال إجابته عن جملة من الأسئلة المرتبطة بذلك ، ونتيجة تدرج السؤال في الصعوبة والإثارة أصبح يثير مشكلة . وجود السؤال والمشكلة طرح مسألة العلاقة بينهما . فما هي أوجه الاختلاف والتشابه بينهما ؟ وفيما تتمثل طبيعة العلاقة التي توجد بينهما ؟
          * * للمشكلة والسؤال نقاط للاختلاف تؤكد التمايز الموجود بينهما ، فنجد مجال كلّّّ منهما مختلفاً ، ذلك أن المشكلة مسألة فلسفية تدرج ضمن مجال معين بحيث يحصر الموضوع ويطرح طرحا فلسفيا كقولنا مثلا متى يثير السؤال الفلسفي الدهشة ؟ فمجال البحث هنا محدود مرتبط بالسؤال الفلسفي وعلاقته بحالة انفعالية مجسدة في الدهشة على غرار السؤال الذي نجد مجالات البحث فيه متعددة وواسعة حيث يتجاوز فيه السهل والبسيط إلى الصعب وذلك حسب درجة الإثارة الموجودة فيه . إضافة لذلك نجد أن السؤال والمشكلة يختلفان من حيث الصياغة ، ذلك أن صياغة السؤال تكون دائما استفهامية مادام السؤال هو المطلب كتساؤلنا عن ثمن الشيء ؟ أو ما حقيقة الشيء ؟ ، هل العقل مصدر المعرفة ؟ ... إلخ أما المشكلة فقد تصاغ صياغة موضوعية مرتبطة بمشكلة فلسفية تثير دهشة أمام العقل دون أن تقدم في صياغة استفهامية (؟) كما هو الحال في مجرد عرض أطروحة فقط ندعى إلى النظر فيها بعد مشكلتها كما هو الشأن في الأطروحتين الآتيتين حيث يجتمع الضدان " الحرية والحتمية " " بين السلب والإيجاب علاقة تكاملية " فنجد أنفسنا هنا أمام فكرتين تتطلبان البحث

والدراسة دون صياغة تساؤلية (؟) ، وفي بعض الأحيان يضاف إليهما المطلوب التالي " حلل وناقش " .
ومن جهة أخرى نجد أن السؤال يختلف عن المشكلة من حيث النتائج ، وذلك نتيجة ارتباط المشكلة بمجال معين ،الشيء الذي جعل الباحث أو الدارس مجبراً على دراسة هذه المسألة ضمن نزعة معينة أو اتجاه محدد ، فعندما يطلب منّّّّّا الإجابة بالنفي أو الإثبات بأن لكل سؤال جواب ،أو ليس لكل سؤال جواب ؟ فكل أطروحة منهما نجدها صحيحة ضمن السياق الذي تعالج فيه ، على غرار السؤال الذي نجد له مجالات متعددة يستعصى فيها على الإنسان الوصول إلى إجابة أو حل لهذه المسألة ، فيصبح السؤال هنا بمثابة إشكالية غير قابلة للحل ، وذلك نتيجة دمج المشكلة في الإشكالية نظرا لدرجة صعوبتها في انتظار مبادرة المفكرين ومحاولة الفلاسفة كما هو الشأن في السؤال التالي : هل هناك ما يدعو إلى الحديث عن الثوابت المطلقة في عصر المتغيرات ؟
وهنا نتساءل هل هناك من لا يؤمن بالتغير وهو سمة الأشياء وخاصة المعرفة أي ( النسبية ) .
إضافة إلى هذا كله نجد أن المشكلة تختلف عن السؤال من حيث التضمن ، حيث نجد أن السؤال متضمن للمشكلة لهذا أصبحت هذه الأخيرة جزء منه ، باعتبار أن السؤال الفلسفي يثير مشكلة وإشكالية ، فإذا كان السؤال يعالج إشكالية تصبح المشكلة هنا جزء من الكل ، فإذا قلنا فيما يتمثل
أساس القيم الأخلاقية ؟  . هذا السؤال يتضمن إشكالية تدرج ضمنها مشكلات فلسفية تتمثل في وجهة نظر العقليين ، وجهة نظر الطبيعيين ، وجهة نظر الاجتماعيين ، إضافة إلى وجهة نظر ذوي النزعة الدينية   .
            * رغم كل هذه الاختلافات إلا أن هذا لا يعني أنه لا توجد بينهما نقاط للتشابه والتي نذكر من أهمها :  كلٌّ من المشكلة والسؤال لهما الهدف نفسه  حيث نجدهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة ، وذلك لأن وجود كل واحدا منهما يستلزم حلاً يتجاوز من خلاله الفرد جهله لهذا الشيء ، ومعرفة شروط  وأسباب حدوث الظواهر ، فالبحث عن أساس القيم الأخلاقية من خلال وجود سؤال هل يمكن القول بأن العقل أساس القيم الأخلاقية ؟ الهدف منه هو تحديد معيارٍ دقيقٍ لتحديد الخير والشر أو قيمة سلوكات الإنسان ، وأساس استنباط الأحكام الشرعية . إضافة إلى ذلك نجد أن كلا من السؤال والمشكلة يثير العقل وهذا نتيجة فرض الضرورة على العقل فكرة وجود جواب لكل سؤال يطرح وطبيعة الإثارة التي يتركها  السؤال في نفسية كل فرد ، وهذا ما يتطلب بذل نشاط ذهني يمكن الفرد من تحديد جواب عن السؤال أو المشكلة المطروحة ، وهذه العملية تتم من خلال النشاطات الفكرية التي يقوم بها الذهن كالتذكر، والتخيل والذكاء ، .... ، إلخ .
كما أننا نجد السؤال والمشكلة يشتركان في كونهما يصاغان صياغة استفهامية على شاكلة سؤال وهذا حسب طبيعة الموضوع الذي يتناوله كلا منهما ، لأن الذهن لا ينفعل إلا لوجود تساؤل أو إثارة .
       *  وعليه فإننا نصل إلى أن الشيء المشترك بين السؤال والمشكلة يتجسد في التفكير ، لهذا يعتبر هذا الأخير أساس العلاقة بينهما ، وذلك لأن مصير السؤال الفلسفي يتوقف على الإنسان ككائن عاقل وفضولي يعيش على الفطرة والاكتساب ، لذا فإن تحديد كلّّ من السؤال والمشكلة يتطلب بذل جهد عقلي للفصل في المسألة المطروحة وهنا يقول جون ديوي :" إن التفكير لا ينشأ إلا إذا وجدت مشكلة ، وأن الحاجة إلى حل أي مشكلة هي العامل المرشد دائما في عملية التفكير."
        **  مما سبق ذكره يمكننا الإقرار بأنه رغم الاختلافات والتشابهات الموجودة بين السؤال والمشكلة فإنه لا يمكننا أن نأخذ العلاقة الموجودة بينهما على أساس الاطراد أو العكس ، فقد يكون لهما حلٌّ أو يبقى معلقا على اعتبار أنه يتناول قضية صعبة تثير التوتر ، ومن ثم يدعونا إلى التفكير ومحاولة البحث عن الإجابة ، وإذا كانت هناك علاقة بين الطرفين فيجب أن تقام على أساس عقلي محض .         
نص السؤال هل  معرفة الذات تتوقف على وجود الغير أم على الوعي بالأنا ؟
الطريقة : جدلية .
      * * يتميز الإنسان بكونه كائن حي فضوليا يطمح دائما إلى إدراك الحقيقة ومعرفة العالم الخارجي ، إلاّ أن هذا لم يثني عليه إقباله إلى معرفة ذاته ، وباعتباره كائنا عاقلا واعيا لأحواله الشعورية أصبح الاعتقاد بأن معرفة الذات تتوقف على الشعور بها ، وفي مقابل ذلك نجد أن صفة المدنية التي يتصف بها الإنسان تفرض وجود الآخر والغير حتى يدرك ذاته المتميزة عن هذا الغير وهو ما يوحي بضرورة وجود الغير لإدراك الذات .فإلى أي حد يصدق هذا الاعتقاد ؟.و هل معرفة الذات تكمن فيما يراه الغير فينا أم فيما نراه في أنفسنا  ؟ أو بعبارة أخرى هل معرفة الذات تتوقف على وجود الغير أم وجود الوعي ؟
       ** معرفة الذات تتوقف على وجود الغير باعتباره الطرف المقابل الموجود خارجا عنا ، وهذا ما يثبت أن وجود الوعي غير كاف لمعرفة الذات وإثبات وجودها ، ذلك أن المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد والتفاعل الذي يحصل بينه وبين الآخرين هو الذي يمكنه من إدراك نفسه وباختلافه عن الآخرين ،هذا الغير الذي يواجهنا ويصدر أحكاما حول ذواتنا هو الذي يدفعنا إلى التفكير في أنفسنا ، وهنا يقول الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر :" وجود الآخر شرط وجودي ." فبالقياس إلى الغير ندرك نقائصنا وعيوبنا ومحاسننا ، وأحسن مثال على ذلك أن التلميذ يعرف مستواه من خلال تقييم الأستاذ له ، وهذا ما يدل ويثبت أن الأنا عاجز عن معرفة مكانته وقيمته بنفسه ، لهذا فهو في حاجة إلى الغير الذي هو حسب سارتر الأنا الآخر الذي ليس أنا ، وأنا أعي ذاتي وأتعرف على نفسي من خلاله ، فعندما أحس بأنني مختلف عن غيري فهنا أنا أعي ذاتي ، وهذا الوعي مصدره معرفتي لغيري وإلاّ فلن يتم هذا الوعي ، الشيء الذي يجعل الغير هو الوسيط الضروري بيني أنا وبين نفسي ،لهذا اعتبر سارتر أنا الوعي بالذات لا يتحقق بحدس مباشر كما ادعى ذلك ديكارت ،بل يتحقق عبر الغير ومن خلاله لكن التساؤل المطروح هنا هو كيف يكون الغير وسيطا بيني وبين نفسي ؟ .
 يشرح سارتر وجهة نظره هذه من خلال مفهوم " نظرة الآخر" بقوله : إن نظرة الغير لي تجمدني وتحولني إلى مجرد شيء ، ففي اللحظة التي أقع فيها تحت رقابة الغير أنحط إلى مرتبة الأشياء ، ذلك أن هذه النظرة تجمد إمكانياتي وتسلبني حريتي ، وتقتل عفويتي وقدرتي على الفعل والمبادرة ، وأكبر شاهد على ذلك هو الخجل فهذا الشعور الذي يتحقق في داخلي وبيني وبين نفسي هو شعور لا يتحقق إلاّ من خلال حضور الغير في وعيي ، ذلك أن هذا الشعور لا يمكن أن يتولد عن التأمل حيث يكون الفكر على صلة بنفسه فقط ، إن الخجل في أصله خجل أمام شخص ما ، فإذا بدرت مني بادرة أو صدرت عني حركة مبتذلة لم أشعر حيالها بشيء ولم ألم نفسي عليها طالما كنت وحدي ، وإنما يختلف الأمر لو أدركت أن شخصا آخر قد لمحني ، عندئذ يتصاعد الدم إلى وجنتي ويتفصد جبيني عرقا باردا فلا بد إذن من وجود الغير كواسطة بيني وبين نفسي ، لأنني أخجل من نفسي كما تبدو لغيري ، وأنا أتعرف على نفسي كما يراها الغير ، فالخجل إذن تعرُف وهو خجل من نفسي أمام الغير هكذا أجدني في حاجة إلى الغير كما أدرك كل ما في وجودي من مقومات ، وهاهنا يحيلني الوجود لذاته إلى الوجود للغير وهما شكلان لا ينفصلان من الوجود ولا ينفكان عن الإحالة إلى بعضهما ، فإذا أردنا أن نفهم أحدهما كان لابد من الإشارة إلى الآخر. ( 1 ) إذن فمعرفة الذات في نظر سارترمشروطة بمعرفة الغير ووجوده ، وهذا ما يثبت أن العلاقة بين الذات والآخر علاقة تشيئية صراعية كل واحد يشيئ الآخر ، هذه العلاقة المتوترة بين الطرفين تطرح إشكالا اجتماعيا وأزمة تواصل مع الآخر الغير إنساني ما دام موضوعا فاقدا لما هو إنساني ، لذا يصبح في تصور سارتر مصدر خطر ما دام وجوده يعني لحظة النفي الأول للذات وجحيما ،يقول سارتر :" الجحيم هم الآخرون ." ، فالتعامل مع الغير والاتجاه إليه عبارة عن فعل بارد تغيب فيه الإنسانية والإحساس بالتعاطف . وعليه يصبح الهدف من هذه العلاقة هو معرفة الآخر وليس التعرف والتعارف معه ما دام هذا الأخير غير مؤهل لإقامة علاقة و فعل تواصلي حقيقي مع الذات كونه موضوعا فاقد للإرادة والحرية .
   هذه النظرة التي أكد عليها سارتر نجدها مجسدة في تصور هيجل الذي أكد بأن الآخر ضروري لوجود الذات ما دام الإنسان يعيش في علاقة معه أكثر ما يعيش في فرديته الخاصة ، فالوعي حسب هيجل هو وعي شقي يتطور وينمو من أجل بلوغ مرحلة الاكتمال بطريقة جدلية ، ففي البدء ينحصر إدراك الإنسان لذاته في الإحساس
المباشر ما دام غارقا ومنغمسا في الحياة العضوية ، حيث يحيا بشكل حيواني من خلال غرائزه ومهمته تنحصر في الحفاظ على حياته الجسدية ، في هذه المرحلة تكون علاقته بالوجود والطبيعة علاقة مباشرة وحسية حيث
يلغى كل ما هو مغاير له ولا يعترف  إلا بحقيقته كذات ،في حين الآخر هو كذلك يملك حقيقته كذات ، وبعد مرحلة الإحساس المباشر يعمل الإنسان على تجاوز هذا الوجود الحسي حين تنتصر رغبته الإنسانية على رغبته الحيوانية ، وهو ما يعني أن تصب رغبات الذات على رغبات ذات آخر وليس على شيء طبيعي ، هذا الوضع يولد صراعا مع الآخر من أجل إشباع الرغبة ، وهو صراع من أجل الاعتراف على اعتبار أن تحقيق الوعي بالذات يعني نفي رغبة الآخر ما دامت الرغبة الإنسانية لا يمكن إشباعها إلا عن طريق النفي والقضاء على ما ليس أنا ، فالإنسان يتغذى على الرغبات " رغبات الآخرين " عكس الحيوان الذي يتغذى على الأشياء والإنسان لا يصبح كذلك إلاّ في حالة انتصار رغبته الإنسانية " الرغبة في السيادة " ، لذا تدخل الذات في صراع رغبات  صراع حياة أو موت ، صراع من أجل الاعتراف ، هذا الصراع هو ما نتج عنه علاقة إنسانية ، علاقة السيد والعبد ، المنتصر والمخاطر بحياته الحيوانية يصبح سيدا ، أما العبد فيرغب في الحفاظ على حياته من داخل هذه العلاقة الصراعية ينشئ الوعي بالسيادة والوعي بالعبودية ، غير أن الموت الفعلي لا يحقق الاعتراف وإنما استسلام أحد الطرفين حين يفضل الحياة عن الموت ، هذا التصور الهيجلي مخالف للتصور العقلي – الديكارتي -  الذي يؤسس وجود الذات على أساس المعرفة ، حيث أن الإنسان العارف يبقى حبيس أو سجين الاطمئنان السلبي مادام يعي ذاته ويتمثل باقي الموجودات بشكل شفاف وفق عملية استدلالية تأملية . باعتبار أن تصور هيجل ينظر للإنسان على أنه  كائن يتغذى على الرغبات ، وتحقيق الرغبة يدفعه إلى الخروج من حالة الاطمئنان السلبي إلى العمل لإشباع رغبته ، وإشباع الرغبات لا يتم إلا عن طريق النفي .
 إضافة إلى هذا كله نجد أن استقراء علاقة الإنسان بغيره يثبت ما للمجتمع من دور فعال في تنظيم نشاط الفرد وتربيته منذ الوهلة الأولى . باعتباره المرآة التي يرى الفرد فيها نفسه ويدركها ، يقول واطسن " الطفل مجرد عجينة يصنع  منها المجتمع ما يشاء ، وذلك من خلال الوسائل التي يوفرها ، فكلما كان الوسط الاجتماعي أرقى وأوسع كانت الذات أنمى وأكثر اكتمالا ، وعليه يمكن التمييز بين الأفراد من خلال البيئة التي يعيشون فيها ، فالفرد كما يقول دوركايم ابن بيئته ومرآة تعكس صورة مجتمعه ، فمن غير الممكن أن يتعرف على نفسه إلاّ من خلال اندماجه داخل المجتمع واحتكاكه بالغير ، فنحن نتعرف على الأناني مثلا من خلال تعامله مع الغير ،كذلك الأمر بالنسبة للفضولي والعنيد ...إلخ ، ولو عاش الفرد منعزلا في جزرة بعيدة لما علم عن نفسه شيء ، وهذا ما يثبت ويؤكد دور الآخر والغير في معرفة الذات لذاتها ، لهذا لا يمكننا تصور وجود ذات منعزلة عن الغير ، هذا التصور أكد عليه أيضا هيدغر من خلال تأكيده بأنه لا وجود لذات معزولة عن الذوات الأخرى ، ذلك أن الموجود هنا غالبا ما ينشغل بعالم الحياة اليومية ، وإن مشاغل هذا العالم تستحوذ على اهتمامه فيقع تحت نفوذ ما يمكن أن نسميه ذات الحياة اليومية التي هي ألـ " هم " ، هذا الموجود المشترك يذيب الأنا وينزع عنه كل ما يتميز به أو ينفرد به ، ذلك أنه  يخلق حالة اللامبالاة وجعل الذوات متماثلة ومتشابهة ،فيفقد كل واحد ما له من أصالة وتميز ، حيث يصبح الهم معيارا وسطا بين الأنا والغير ، و تصبح الأنا تدرك نفسها ضمن الآخر والعكس صحيح .
   * صحيح أن الفرد يعيش مع الغير ، لكن هذا الغير لا يدرك منا إلاّ المظاهر الخارجية التي لا تعكس حقيقة ما يجري بداخلنا من نزوات خفية وميول ورغبات ، وهذه المظاهر بإمكاننا اصطناعها والتظاهر بها كالممثل السينمائي الذي يصطنع الانفعالات أو الخجل عند رؤيته للغير ، كما أن أحكام الغير ليست واحدة ، وهذا ما يثبت عجز الغير في تحديد ملامح شخصية الأنا ومعرفة هذا الأخير لذاته .
    ** معرفة الذات تتوقف على وجود الوعي باعتباره نشاط فردي يقوم به الفرد مع ذاته ، كما أنه حدس نفسي يمكن الفرد من إدراك ذاته وأفعاله ، وأحواله النفسية إدراكا مباشرا دون واسطة خارجية ، وهذا ما جعل سقراط قديما يؤكد على أن معرفة الذات تتوقف على وجود الوعي ، وذلك من خلال مقولته المشهورة " أعرف نفسك بنفسك " ، هذه المقولة تنفي وجود تأثير للغير أو الآخر على الذات ، كما أكد على ذلك العديد من الفلاسفة أمثال سارتر وهيجل ... ، فالشعور بالوحدة أو الخوف ، أو الفرح وغيرها من الحالات النفسية ما هي إلا حالات خاصة بالفرد ، ذلك أن الشعور يُعْرَف ولا يُعرَف ، يدركه الفرد بذاته لا بتأثير غيره ، وهذا هو أيضا مضمون مقولة مان دي بيران :" إن الشعور يستند إلى التمييز بين الذات الشاعرة والموضوع الذي نشعر به ." فالموضوع قد يكون شيئا خارجيا أو داخليا لهذا لا يمكن أن يكون هذه الذات نفسها ، لآن وجود هذه الأخيرة وجودا قائما بذاته لا دخل للأشياء الأخرى في بنائه أو إيجاده ، وذلك لأن الأنا هو شعور الذات بذاتها ، والكائن الشاعر بذاته هو من يعرف أنه موجود ، وأنه يدرك ذاته بواسطة التفكير ، وإذا أردنا أن نتتبع وجهة النظر هذه فما علينا إلا أن نتطرق إلى تصور الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت حول هذه المسألة ، حيث نجده انطلق من الشك في وجود الغير وفي وجود العالم على أساس أن الحواس تخدعنا ومصدر غير موثوق في المعرفة ، وأن معرفتنا السابقة بالأشياء غير دقيقة وغير يقينية ، لكنه لم يتمكن في أنه يشك ، ومادام الشك موجودا فلا بد من وجود الذات التي تشك ، ومادام الشك ضرباً من ضروب التفكير فلا يمكن للفرد أن يشك في وجوده ، وهذا هو مضمون الكوجيتو الديكارتي :" أنا أفكر إذن أنا موجود ." ، والذي أقصى من خلاله ديكارت مفهوم الغير كطرف فعال في الوعي بالذات ، باعتبارها ذاتا فردية قادرة على معرفة ذاتها بذاتها وبصورة مباشرة ، ومن دون تدخل الغير ، أي أن الأنا تعيش عزلة أنطولوجية عن الغير حينما تصنع نفسها كأنا مفكرة لا شك في وجودها مقابل الآخر القابل للشك ، بل والمشكوك في وجوده أصلا ، ومن ثمة فالحقيقة اليقينية الوحيدة التي لا تقبل الشك وتفرض نفسها بشكل بديهي هي الأنا أفكر ، أما وجود الغير فمشكوك فيه ذاته وجودا استدلاليا صادرا عن عملية الاستدلال بالمماثلة ، أي أننا لا نعترف بوجود الغير ودوره في معرفة الذات لذاتها مادامت ذاتــا مفكرة (2) .
 هذا التصور الديكارتي ما هو إلا تأكيدٌ لنشاط الذهن الخالص ومعرفة فردية لا دخل للآخر فيها ، لأن التمييز بين الأشياء وفصلها عن الذات قدرة عقلية لا حسية ، ذلك أنه لو افترضنا أن الغير هو مصدر معرفتي لأصبحت هذه المعرفة نسبية لا يقينية ، لكن عندما ارتبطت بنشاط الذهن واستدلالاته أصبحت معرفة يقينية .
وعليه يكون ديكارت قد اعتبر أن وجود الغير أو الآخر يظل وجودا احتماليا متوقفا على حكم العقل واستدلالاته وأن وجود الذات لا يكون إلا من خلال التفكير الممنهج دون الاعتماد على أحكام الغير ، ذلك لأنه بالتفكير نتمكن من عزل الأشياء أو الكائنات من أجل التفكير والنظر فيها منفصلة الواحدة عن الأخرى ، وأن هذا الفعل الذي نقوم به تصاحبه معان ٍ في عقولنا ، وأن العقل عند مقارنته بين الكائنات يلاحظ أنه بينها تشابها وأمورا مشتركة كما يراها أشياء خارجة عن شعوره ، ذلك أن هذا الأخير لا يمكن أن يقع له الإدراك ، وهو مستقل تماما عن الأشياء أو الموضوعات المشعور بها ، وعلى هذا النحو تحصل لهذه الكيفيات مدلولاتها ، ويحصل الإحساس بالتماثل بيننا وبين الآخر ، وعلى هذا فوجود الآخر والشعور به ،والاتصال معه متوقف على ما تقوم به الذات الفردية ( الأنا ) من أفعال باتجاهه ، وهذه الذات تتعرف على العالم وعلى الغير بالعقل ، وهذا ما ينفي دور الغير في معرفة الذات لذاتها . وبهذا نجد أن ديكارت لم يكتف بتعليق الحكم أمام الأمور الداعية إلى الشك ، ولو أنه فعل لبقي مستلقيا على فراش الشك يهرب من الأشباح في أحلامه ، ولكنه إذ ينكر كل ما هو غير يقيني كوجود العالم الخارجي ووجود الآخرين ، ووجود جسده بالذات ، هذا الإنكار يتضمن دائما إثبات وجود الكائن الذي يفكر ، فإذا كنت أفكر فلأنني موجود ، هذه الملاحظة  الوجدانية تصمد أمام هجمات الشك المتكررة ، وتتحد أي روح شريرة مؤكدة على أن معرفة الذات لذاتها وإثبات وجودها يكون عن طريق الوعي لا الغير .
    هذه النظرة الديكارتية نجدها مجسدة في تصور الفيلسوف الفرنسي مالبرانش ، والمؤكدة على نفي الآخر ، حيث أكد انه يستحيل أن نعرف على وجه الدقة وعي الآخرين وأفكارهم وأحاسيسهم ، غير أنني أستطيع على الأقل واعتمادا على المعرفة التي لدي عن حالات وعيي وشعوري الخاصة أن أفترض أو أخمن ما يجري في وعي الآخرين ، إن معرفة كهذه تعتمد على ما يسمى بالاستدلال بالمماثلة ، يقول مالبرانش :" نحن نفترض أن نفوس الآخرين هي من نفس نوع نفوسنا ، وما نشعر به نزعم أنهم يشعرون به ." غير أن المعرفة التي نتوصل إليها عبر هذه المماثلة لا تكون صحيحة ويقينية إلا عندما يكون ما نشعر به مقطوع الصلة بالجسم ، فأنا أستطيع مثلا أن أفترض أن الآخرين يعرفون بعض حقائق الرياضيات ، وقواعد الأخلاق كما أعرفها ، وأنهم يحبون الخير واللذة ويمقوتون الشر والألم ، ويرغبون في السعادة مثلي تماما ، وأنا على حق في كل هذا ، أما فيما يخص الأحاسيس التي يلعب فيها الجسم دورا من خلال تأثيره على النفس فإننا نخطئ عندما ننسبها للآخرين مفترضين أنهم يشبهوننا . هنا أيضا يقول مالبرانش :" إن المعرفة التي لدينا عن الآخرين غالبا ما تكون عرضة للخطأ عندما نستند في حكمنا على الأحاسيس التي لدينا عن أنفسنا فقط ." ، وهنا نجد مالبرانش ينفي دور الغير في تحديد المفاهيم والمعارف التي تصل إليها الذات ، ويؤكد على أن كل ما تصل إليه هذه الأخيرة ما هو إلا نتاج نشاط الذهن ، وبالتالي فمعرفة الذات لذاتها تتوقف على عامل الوعي باعتبارها خاصية فردية .
   * إن الأحكام الذاتية غالبا ما تكون مبالغا فيها ، ووعي الذات لذاتها ليس بمنهج علمي يقيني حتى نعتبره معرفة يقينية ، لأنه لا يوصلنا إلى نتائج موضوعية بل ذاتية ، فالمعرفة تتطلب وجود الذات العارفة وموضوع المعرفة ، في حين أن الذات وحدها لا يمكن أن تشاهد ذاتها بذاتها ذلك أن ما يعرف بالاستبطان عند علماء النفس أمر مستحيل ،لأن الذات وحدها لا يمكن أن تكون الملاَحَظ والملاحِظ، ، وأن تشاهد ذاتها بذاتها لأن الشعور هو دائما الشعور بشيء ، فالفرد لا يمكن له أن يتأمل ذاته وهو في حالة الغضب أو الفزع ،لأن مجرد التفكير في ذلك ينقص من درجته يقول أوغيست كونت " الذات التي تستبطن ذاتها كالعين التي تريد أن ترى نفسها بنفسها "
   * بعد استقرائنا لمسألة إمكانية معرفة الذات لذاتها دون الغير نجد هناك جدلا تضمن أطروحتين متناقضتين لذا يمكن القول بأن الأنا يتكون من خلال التفاعل القائم بين الأنا والآخر، وهذا ما يؤكد على الترابط الوثيق الموجود بينهما  كون الفرد جزء من الكل ، فله أنا شخصي مرتبط بالصورة التي يكونها عنه الغير ، فالفرد مثلا لا يحس بقيمة فرحه إلا ضمن المجموعة وإلا يبقى حالة خاصة ، ويصبح هنا الشخص منطويا على نفسه الشيء الذي يسبب له عقد نفسية ، لذا لا يمكن تجاوز الغير لكن ضمن المعقول ، وهذا ما يؤكد دور التواصل بدلا من العزلة هذا التآلف بين الأنا والغير أكد عليه غابريال مارسال عن طريق التفكير في الذات دون العزلة عن الغير ، أي تشكيل تكامل بين الأنا والأنا الجماعي .
  ** إن إدراك المرء لذاته لا يحصل دون وجود الوعي والغير في نفس الوقت ، لأن الإنسان في تعامله مع الآخرين من أفراد مجتمعه يتصرف بوعي ، ويوفق بين ما يقوله الآخرون عنه وما يعتقده في نفسه ، لأن الشخصية التي تمثل الأنا تتكامل فيها الجوانب الذاتية والموضوعية ، فلا يمكن للفرد أن يحكم على أنه خجول بنفسه لأن التأكيد على ذلك يتطلب تجسيد ذلك في الواقع ( الغير) .                                
            
 التهميش :
(1) فؤاد كامل : الغير في فلسفة سارتر ، دار المعارف بمصر ، ص 19
( 2 ) جنيفا روديس لويس : ديكارت والعقلانية ،ت/ عبده الحلو ، منشورات عويدات،بيروت باريس،ط4،1988
نص السؤال  :هل يمكن تطبيق الحتمية في البيلوجيا ؟
    الطريقة: جدلية.                                                                              
        تطور العلم عندما آمن الباحث بأن الظواهر تخضع لنظام ثابت مجسد في مبدإ الحتمية لذا اتصفت الحقيقة العلمية باليقين نتيجة إخضاع الظواهر للتجربة ، هذا ما جعل بقية العلوم تنشد ذلك ومن بينها العلوم البيولوجية . لكن الاختلاف في الطبيعة جعل البعض يؤكد على استحالة تجسيد المبدأ الذي تعتمد عليه العلوم الفيزيائية في البيولوجيا ، هذا ما ولد جدل بين العلماء والمفكرين حول هذه المسألة . فهل يمكن تفسير الظاهرة البيولوجية من خلال مبدأ الحتمية ؟
القضية 01 :
       يمكن تجسيد مبدأ الحتمية في البيولوجيا  ذلك أن الظاهرة الحية لا تختلف عن الظاهرة الفيزيائية لأنهما يخضعان لنفس النظام القائم أساسا على الثبات و التكرار الشيء الذي يجعل  الظاهرة الحية قابلة للتجريب  وبالتالي التنبؤ بحدوثها في المستقبل نتيجة تكرار نفس الشروط ونفس النتائج  وهنا يقول كلود برنار :"  لابد من التسليم كبديهية تجريبية بأن شروط وجود كل ظاهرة  - سواء تعلق الأمر بالكائنات الحية أو بالأجسام الجامدة – هي محددة تحديدا مطلقا ، وهذا يعني بتعبير آخر أن الظاهرة إذا عرف شرطها وتوفر وجب أن تحدث من جديد دائما بالضرورة ، وذلك حسب إرادة العالم التجريبي ، وما إنكار هذه القضية سوى إنكار للعلم ذاته ."
ومعنى ذلك أن الظاهرة الحية قابلة للتحقيق والتفسير العلمي القائم على مبدأ الحتمية ، المرتبط بالضرورة القائمة على أنه كلما توفرة نفس الشروط تترتب عنها نفس النتائج ، وأنه عندما لا تعود الشروط واحدة فإن الظاهرة تتوقف عن أن تكون واحدة ، الشيء الذي يثبت أن مبدأ الحتمية مطلق سواء تعلق الأمر بظواهر الأجسام الجامدة أو ظواهر الكائنات الحية ، ولا يمكن لتأثير الحياة أن يغير في القضية شيئا مهما كان الرأي فيه ، والتجارب التي قام بها كلود برنار على آكلات العشب إلاّ دليل على ذلك { اقتن أرنب من السوق وعزل عنه العشب فتحول بوله إلى بول آكلات اللحوم ، وبعد ذلك منحه العشب فعاد إلى حالته الطبيعية ، ثم كرر التجربة عدة مرات فكان دائما يصل إلى نفس النتيجة ، حتى عندما انتقل إلى حيوان آخر من آكلات العشب ، فتوصل إلى الحكم التالي " كل آكلات العشب تتغذى على ما تدخره في بطونها من شحوم "}  هذه التجارب أثبتت أنه يجب أن تكون هناك حتمية في الظواهر الحية التي تنظمها ، لأن بدونها تكون قوة عمياء لا تخضع لقانون وهذا أمر مستحيل .
 هذا ما جعل الفرق بين المادة الحية والجامدة في الدرجة لا في النوع أي أن المادة الحية تتطلب الدقة والمهارة ومن هنا أكد كلود برنار " خير طريقة ينبغي اعتمادها في علم الحياة هي الطريقة التجريبية " وهذا ما يؤكد أن العضوية عبارة عن نشاط آلي تشارك فيه كل الأعضاء وعليه يكون العضو أسبق من الوظيفة ( عملية الهضم مثلا تحدث بطريقة آلية  هي الطريقة نفسها التي تتحكم في حدوث الظواهر الجامدة ، فتبدأ بدور القواطع والغدة اللعابية وصولا إلى دور الأنزيمات التي تحلل المأكولات ) ، فمعرفة وظيفة العضو تمكننا من معرفة النتيجة أو الظاهرة التي سوف تحدث ، لهذا يمكن اعتبار الأعضاء بمثابة الشروط التي تتحكم في حدوث الظاهرة ، وبالتالي يصبح التنبؤ ممكن في الظواهر الحية بشرط أن تتوفر نفس الأعضاء ، وإن حدث خلل في أحد الأعضاء فإن الظاهرة لا تحدث ، وهذا هو مضمون التفسير العلمي يقول كلود برنار :" ينتج أن ظواهر الحياة ليست لها قوانين خاصة إلاّ لأن ثمة حتمية صارمة في شتى الظروف التي تشكل شروط وجودها أو تثير ظروفها وهذا أمر واحد ولكن بفضل التجريب فقط … " .
   وعليه يصبح التفسير الغائي تفسير فلسفي والعلم تطور عندما ابتعد عن الغائية ، لأن إنكار مبدأ الحتمية هو إنكار للعلم ( لا يمكننا القول بوجود علم البيولوجيا)
  نقد الحجة :
     الخصوصية التي تمتاز بها المادة الحية عن المادة الجامدة تثبت استحالة تطبيق مبدأ الحتمية في البيولوجيا لأن المادة الحية متغيرة وفريدة من نوعها متشابكة في عناصره ، وأكثر من ذلك فهي تهدف إلى غاية . 
القضية 02 : 
تفسير الكائن الحي لا يكون وفق مبدأ الحتمية بل وفق الغائية  لأن الظواهر الحية ترجع إلى علم الروح دون تقيدها بأي حتمية ، وهذا ما ينفي تكرار الظاهرة بنفس الشروط ، فضلا عن أن الروح كفكرة ميتافيزيقية يصعب علينا أو من المستحيل أن تجسد في الواقع ، وهذا دليل على أن أحد شروط الفرضية العلمية غير ممكن " يجب أن تكون الفرضية قابلة للتحقيق عن طريق التجريب "   ،وهذا ما جعل المادة الحية تتميز عن المادة الجامدة بصفات أهمها الغائية باعتبار أن الأنشطة العضوية التي يقوم بها الكائن الحي موجهة نحو تحقيق غاية معينة وهــي تحقيق التوازن العضوي  " توازن الكائن الحي" أرسطو الحياة طبيعة لا تفهم إلا عـلى ضوء التفسير الغائي . كما نجد أيضا من بين العوائق صعوبة تصنيف الظاهرة الحية كما هو الشأن في المادة الجامدة ،لأن كل كان حي ينطوي على خصوصيات ينفرد بها دون غيره وبالتالي صعوبة إخضاع الظاهرة الحية لمبدأ الحتمية الذي يمتاز بالمطلقية لهذا فالظاهرة الحية تمتاز بالفجائية الشيء الذي يطرح صعوبة التنبؤ بالظاهرة يقول برغسون " مع الحياة ظهرت الظواهر الفجائية التي لا يمكن التنبؤ بها ."
 إضافة إلى ذلك نجد كل عضو وجد من أجل تأدية وظيفة معينة لهذا فالوظيفة سابقة وجودا للعضو ، وتكامل الوظائف يؤدي إلى حفظ التوازن والبقاء وهي غاية داخلية ، أما الخارجية فتتكون من علاقة الكائنات مع بعضها
 هذه العوائق  التي تمنع تجسيد مبدأ الحتمية فرضت عدم مصداقية التجربة ، لأن هذه الأخيرة تتطلب العزل وهذا ما لا يمكن تحقيقه في المادة الحية لأنه لا يمكننا عزل العضو عن محيطه الأصلي إلى الاصطناعي  وإلا تصبح التجربة على المادة الجامدة لا الحية ،فلا يمكننا مثلا استئصال الغدة النخاعية دون أن نأخذ بعين الاعتبار مفعول المخدر والصدمة النفسية
 نقد الحجة :
     صحيح أن الظاهرة الحية تمتاز بالخصوصية إلا أن التسليم بوجود الغائية في الحياة يبعد البحث عن التفسير العلمي لهذا لايمكن اعتماد الغائية كأساس للعلم لأن التفسير الغائي أقرب إلى التفسير الغيبي الميتافيزيقي منه إلى التفسير العلمي باعتبار الغائية عائقا أمام البحث العلمي .
التركيب          
      إن الإيمان الكامل بمبدأ الحتمية في مجال الكائنات الحية لا ينفي وجود نوع من الغائية يتحقق وفقها الانسجام والتضامن بين الأعضاء ، فلقد آمن كلود برنار بالحتمية في علوم الحياة لكنه لم ينكر الغائية حتى قال عنه رافسون " إن نظرية كلود برنار هي نظرية ما يسميه الميتافيزقيون بالعلة الغائية " فالبيولوجيا تعتمد على منهج علمي يخضع لمبدأ الحتمية دون التخلي عن الطبيعة الغائية ، وهنا يقول باسكال " إن الكائن الحي آلة حية من صنع الله ترتبط أفعالها ارتباطا حتميا فكل وظيفة حية تتطلب وظيفة حية أخرى التي تنتهي إلى غاية ما تتمثل في توازن الجسم الحي . " وهذا دليل على أن الغائية لا تنفي الحتمية .






  حل المشكلة
    يمكن القول في الأخير أو على ما سبق ذكره أن الكائن الحي له طبيعة خاصة وأن علم الحياة يمكن أن يوجد دون أن يكون مضطر لأن يحل هذا المشكل المتمثل في الغاية ، فإذا كان القول بالحتمية  لا ينكر القول بالغائية ، فإن التسليم أيضا بوجود الغائية في علم الحياة لا ينفي الحتمية بل يستلزم القول بها ، لأن التسليم بوجود الغائية وحدها لا يكفي بل لابد من التعرف على خصائص التركيب الذي يمكن من تحقيق الغاية ، وهذا يعني أن أي ظاهرة تحدث في الكائن الحي مرتبطة بشروط ، وهذا يثبت أن تطبيق مبدأ الحتمية في البيولوجيا يتطلب نوع من الدقة فقط حتى  نتمكن من تفسيرها تفسيرا علميا












نص السؤال هل يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية ؟
          إن التطور الذي عرفته العلوم التجريبية في العصر الحديث نتيجة اعتمادها على التجربة كمصدر لليقين سعت مختلف العلوم الأخرى إلى محاولة تجسيد الدراسات العملية على مختلف الظواهر التي تدرج ضمنها ، ومن بين هذه العلوم نجد العلوم الإنسانية ، ونتيجة اختلاف الظاهرة الطبيعية عن الإنسانية أصبحت مسألة دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية غير ممكنة ، وفي مقابل ذلك نجد أن الميزة التي امتازت بها فرضت خصوصية ومنهج منظم يمكن الظاهرة الإنسانية من التحقيق العلم ، التناقض الموجود بين التصورين فرض جدلا ونقاش بين الفلاسفة والعلماء .
 فهل يمكننا الإقرار بإمكانية خضوع الظاهرة الإنسانية للتحقيق العلمي ؟
         لا يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية ، ذلك أن هذه الأخيرة تمتاز بجملة من الخصائص والمميزات التي تجعلها تختلف عن الظاهرة الطبيعية مما أدى إلى وجود عدة عوائق تصادف الباحث عند محاولته دراسة أي ظاهرة إنسانية فالظاهرة التاريخية مثلا تختلف عن المادية لهذا نجد بعض المفكرين يظنون أن التاريخ لا يمكنه أن يكون علما كغيره من العلوم منهم وليام دلتاي وكروتشه  نتيجة العوائق التي تصادف المؤرخ كون الحادثة التاريخية  حادثة إنسانية : أي أنها تتعلق بما يحدث للإنسان فقط ، لأن التاريخ لا يدرس ماضي الظواهر الطبيعية بل الظواهر الإنسانية من حيث أنها حوادث محددة بالزمكان " الزمان والمكان " لا يمكن تكرارها وملاحظتها من جديد لهذا لا يمكن فصلها عن الزمان والمكان الخاصان بها وإلاّ فقدت صفتها التاريخية . كما أنها حادثة اجتماعية لأن الحوادث الفردية لا تكون تاريخية إلاّ إذا تمكن أصحابها من التأثير على سير الحوادث إما عن طريق إحداث تقاليد جديدة كما يحدث ذلك في الفن والعلم والدين ، وإما عن طريق توجيه الجماعات كما يفعل ذلك رجال الحكم والزعماء . أي أن الحادثة لا تكون تاريخية إلاّ إذا شمل صداها مجتمعا بأسره مهما كان هذا المجتمع كبير أم صغير . إضافة إلى أنها حادثة تعرف بطريقة غير مباشرة على خلاف الملاحظة الطبيعية التي تتم بطريقة مباشرة وبالتالي يمكن التجريب عليها ، لهذا فهي – الإنسانية – غير قابلة لأن تحدث مرة جديدة بطرق اصطناعية ، كما أنها غير قابلة للتكميم ذلك أن المؤرخ لا يمكنه أن التأكد من صحة افتراضه عن طريق التجربة العلمية ، أي أنه لا يستطيع مثلا أن يحدث حربا "تجريبية " حتى يتأكد من افتراضاته ، وبالتالي استحالة الوصول إلى قوانين عامة ، وهذا ما من شأنه أن يمنعنا من التنبؤ بحدوث الظاهرة في المستقبل . وما يؤكد استحالة دراسة الحادثة التريحية دراسة علمية هو صعوبة تحقيق الموضوعية  لأن المؤرخ إنسان ينتسب إلى عصر معين ومجتمع معين ، فهو لا يستطيع -على الرغم من اجتهاده في أن يكون موضوعيا  - أن يكتب التاريخ إلاّ طبقا للواقع الذي يحياه ، فيعيشه من خلال قيمه واهتماماته ، وتربيته ، فالمواطن الجزائري الذي يكتب عن تاريخ فرنسا قبل 1962 ليس هو المواطن الذي يكتب عنه بعد هذا التاريخ ، ذلك أن الماضي يعاد بناؤه ، كما أننا لا نستطيع أن نطلب من الاشتراكي أن يعطينا دراسة موضوعية حول الرأسمالية .
        ومن جهة أخرى نجد أن الظاهرة الاجتماعية تستحيل فيها أيضا الدراسات العلمية نتيجة الخصائص التي تمتاز بها والتي جعلتها تختلف عن الظاهرة الإنسانية  ،هذا ما حاول أن يؤكد عليه العديد من الفلاسفة من بينهم كارل مانهايم  ماكس فيبر ، وماكس شيلر . فهي ليست اجتماعية خالصة أي أنها تنطوي على خصائص بعضها بيولوجي وبعضها نفسي ، لهذا اعتقد البعض أنها تلحق بالدراسات البيولوجية ما دام الذي يميزها لا يختلف كثيرا عن الظواهر الحيوية أو البيولوجية وما يميزها من قوانين تخضع له أيضا ظواهر المجتمع ، ويميل البعض إلى أنها تلحق بالظواهر النفسية لأن ما تنطوي عليه من خصائص يتفق إلى حد كبير مع ما تقوم عليه الحادثة النفسية ، ويتجه صنفا آخر إلى تفسيرها تفسيرا تاريخيا لأنها لا تكاد تتطور في الزمان والمكان حتى تدخل في الماضي . كما أنها ظاهرة إنسانية لا تشبه الظواهر الطبيعية ، فهي مرتبطة بحياة الإنسان ن وهذا الأخير متغير لا تتحكم فيه الحتمية التي تخضع لها الظواهر الطبيعية ، وبالتالي لا يمكن ان تخضع للبحث العلمي ، كون الإنسان يملك حرية الإرادة في التصرف ، فالزوج مثلا في مستطاعه أن لا يطلق زوجته بالرغم من حضور الأسباب المهيئة للطلاق . هذا ونجد أيضا الظاهرة الاجتماعية ظاهرة خاصة وليست عامة لأنها تتعلق بالفرد ، وما هو خاص لا يكون قابل للدراسة من الخارج بفضل التحليل والتجريد ، وهذا ما يجسد الدراسات الذاتية في الدراسات الاجتماعية ، الشيء الذي جعل هذه الأخيرة كيفية لا كمية أي قابلة للوصف لا التقدير الكمي يقول جون ستيوارت ميل :" إن الظواهر المعقدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب  متداخلة ومركبة لا تصلح أن تكون موضوعا حقيقيا للاستقراء العلمي المبني على الملاحظة والتجربة ."
ومن العوائق التي تصادف عالم الاجتماع عند دراسته للظاهرة الاجتماعية نجد صعوبة تحقيق الموضوعية كما هو الشأن في الظواهر الطبيعية ، وهنا يؤكد أحد العلماء  وهو جبسون gibson على أن تحقيقها الكامل في العلوم
01
الاجتماعية يعتبر مثلا أعلى يصعب تحقيقه ،لأن الباحثين الاجتماعيين هم أفراد يعيشون في مجتمعات يتفاعلون مع أوضاع الحياة القائمة ، ويقبلون ألوانا معينة من أساليب التفكير والسلوك القائمة في مجتمعاتهم ، ومن ثمة هناك عوامل قد تنأى بهم عن الموضوعية فالمركز الذي يشغله الإنسان والطبقة التي ينتمي إليها والعصر الذي يعيش فيه قد تؤثر فيما يتوصل إليه من نتائج أو فيما يصدره من أحكام ، وبالتالي لا يمكن للعلوم الإنسانية أن تتخلص من أثار الإيديولوجيا  هذه العوائق كلها أدة إلى استحالة تطبيق التجربة على الظاهرة الإنسانية ، الشيء الذي يقف كعقبة أمام الوصول إلى قوانين عامة تفسر حقيقتها ، وبالتالي صعوبة التنبؤ .
أما إذا جئنا إلى الحياة النفسية نجد الظاهرة النفسية لها هي الأخرى جملة من الخصائص التي جعلتها تختلف عن الظاهرة الجامدة ، الشيء الذي ولد عدة عوائق أمام علماء النفس  باعتبار علم النفس  علما يعنى بدراسة الحوادث والحالات النفسية للكشف عن قوانينها بعيدا عن النفس كجوهر ميتافيزيقي هذا ما حاول أن يؤكد عليه برغسون ووليام جيمس   واهم العوائق التي تصادف الباحث أو الدارس نذكر من أهمها ما يلي :
موضوع غير ثابت ولا يعرف مكان محدد كما هو الشأن في ظواهر الطبيعة ، فلا مكان للشعور ولا محل للإنتباه ولا حجم للتذكر أو الحلم ، لأن الحوادث النفسية تمتاز بالديمومة والحركية ولا تبقى على حالها في زمنين متواليين لهذا فإن تطبيق المنهج التجريبي عليها يعني القضاء على ديمومتها ، ودراستها كماض لا كحاضر ، أي كشيء ثابت جام لا ظاهرة حية . كما نجد أيضا الظاهرة النفسية تمتاز بشدة التداخل والاختلاط بحيث يشتبك فيها الإدراك مع الإحساس ، والذكاء مع الخيال ، والانتباه مع الارادة ... ، دون نسيان أنها حادثة كيفية لذلك فهي قابلة للوصف ولا يمكن قياسه مثل الظاهرة الطبيعية كأن أقول إن شعوري يقدر بمائة كلم كما أن اللغة المستعملة تعجز أحيانا عن وصف كل ما يجري بداخل النفس ، فضلا عن تدخل اللاشعور نتيجة صدور من الفرد سلوكات وأفعال لا يعي أسبابها . إضافة إلى ذلك نجد الظاهرة النفسية حادثة شخصية داخلية لا يعرفها إلاّ صاحبها ، كما أننا لا نجد نفس الحالة الشعورية عند جميع الأفراد وحتى إن كان الموضوع المشعور به واحد .
النقد
   لكن إذا كانت هذه العوائق – سواء التي تتعلق بالموضوع أو الذات – تحول دون تطبيق المنهج التجريبي  في الظاهرة أو الحادثة التاريخية بشكل ، فإن هذا لا يعني البتة أنه لا يمكن دراستها دراسة علمية لجعل التاريخ علما قائما بذاته ، فإذا كان الاستقراء التجريبي هو الأنسب لدراسة علوم المادة فإن العوائق الإبستيمولوجية التي صادفته أدت إلى استحداث منهج يسمح بدراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية ، ويعتبر ابن خلدون السباق إلى رسم منهج واضح المعالم يمكننا من دراسة الحادثة التاريخية ويفسرها  أي أنه لم يكتف بمجرد نقلها والإشارة إلى مكان حدوثها من عدمه ، بل تجاوز ذلك إلى تفسيرها وربطها بعللها أسبابها
   يمكن دراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية بشرط تكييف المنهج العلمي وخطواته وفق ما يتماش مع طبيعة الظاهرة المدروسة ففي الظاهرة التاريخية مثلا نجد ابن خلدون يؤكد على امكانية تحقيق الموضوعية فيها ، وذلك من خلال منهج قائم على مجموعة من الخطوات تتجسد من خلالها خطوات المنهج التجريبي والقائمة أساسا على :
أولا : جمع المصادر:  والتي يمكن أن نميز فيها نوعين من المصادر التاريخية " إرادية وغير إرادية " فالمصادر الإرادية تتمثل في تلك الأثار والوثائق التي أنجزها الإنسان واحتفظ بها قصد تأريخ الحادثة وإخبار الآخرين بها كالمجلات والصحف ، ورسائل القادة التاريخية ، ونصوص الاتفاقيات والروايات والمعاهدات المختلفة ، والقصص الواردة في القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ... إلخ .
المصادر الغير إرادية : تتمثل في مختلف المصادر والآثار التي تركها الإنسان عن غير قصد ، والتي فرضتها الحاجة إليها ، كالحصن والأبراج  والأسلحة التي تم تشييدها من أجل الحماية والدفاع عن النفس أو الدولة والمملكة ، إضافة إلى النقود مثلا التي صنعت لتسهيل التعامل والتبادل التجاري .
  هذه العملية على حد تعبير ابن خلدون مشروطة بمعرفة طبائع العمران، فلا يصح مثلا أن يتحدث باحث على ما يصطلح عليه اليوم " حرب المدن أو الشوارع " في سياق حديثه عن حروب ومعارك تنتمي إلى العصور الوسطى أو القديمة ، بمعنى أن معرفة طبائع العمران طريق إلى معرفة إمكانية حدوث الواقعة من عدمها يقول ابن خلدون في حديثه عن الكيفية التي يتعامل بها مع الخبر :" ... إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها  بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ..."

02 - مرحلة النقد :
بعد جمع المصادر يجب على المؤرخ تفحصها ونقد الوثائق كلها ، وعليه أن يعتبر "كل وثيقة مدانة حتى تثبت براءتها" أي عليه أن يشك في أمانة وصحة الأخبار التي تتضمنها كل وثيقة حتى يتمكن من الكشف عن كل مبالغة وتزييف أو
02
تحريف فيها ، وفي هذه المرحلة يميز المؤرخون بين نوعين من النقد " الخارجي والباطني "
أ – النقد الخارجي أو المادي :
  يتناول شكل الوثيقة الخارجي ومادتها حتى يتأكد من حقيقتها وأصلها إذ قد تكون الوثيقة التي تسقط بين يديه صورة محرفة للوثيقة الأصلية الحقيقية ، فإذا كانت هذه الوثيقة مثلا رسالة عليه أن يدرس الورق المستعمل ، والحبر والخط ، والأسلوب والإمضاء ... إلخ وفي هذا المجال يستعمل المؤرخ تقنيات وطرق علوم أخرى كالكيمياء وعلم الآثار ،وعلم الخط ....،إلخ ، فمن اللا منطقي مثلا أن يأخذ الباحث أو المؤرخ بوثيقة كتبت بالآلة الراقنة كشاهد حي على حادثة
وقعت في زمان لم يبلغ بعد لمستوى هذه التكنولوجيا ، وهذا يعني أن نوع الخط  يكون موضوع نقد من قبل الباحث بغض النظر عن تفحص نوع المادة كنوع الورق او الحبر . وإذا كان هذا المصدر نقود أو سلاحا أو أوسمة وجب على المؤرخ تفحص نوع المعدن ، طبيعة او نوع المواد الكيمياوية إذا كان المصدر من الآثار الفنية أو القديمة .
النقد الباطني " الداخلي " :
   يختبر مدى صحة مضمون الوثيقة وذلك بمقارنتها بوثائق أخرى ذات منابع مختلفة فيكشف عن وجه الاختلاف والاتفاق ثم يقوم بدراسة شخصية صاحبها قصد معرفة العوامل المختلفة التي قد تؤثر فيه وتدفعه إلى الكذب ، وقد حدد إبن خلدون في كتابه المقدمة أسباب كذب الراوي وحصرها فيما يلي :
-        التشيع لآراء المذاهب " مناصرة قضية أو مذهب " فإن النفس إذا كانت على حال من الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه ، وإذا استسلمت وتشيعت لرأي او نحلةٍ قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة ن وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحص فتقع في قبول الكذب ونقله
-        الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والترجيح .
-        الذهول عن المقاصد " السهو ، التغافل والخروج عنه " فكثيرا من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين او سمع  وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه ن فيقع في الكذب ومنها توهم الصدق
-        الجهل بتطبيق الأحوال على الواقع " الخروج عن سياق الخبر " لأجل ما يداخلها من التلبس والتصنيع فينقلها المخبر كما رآها وهي التصنع على غير الحق في نفسه .
-        التقرب إلى أصحاب التجلة والمراتب " أصحاب الجاه والاعتبار " بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك ، فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة .
-        الجهل بطبائع الأحوال العمراني ، فإن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على الصدق من الكذب .
وفي هذه المرحلة من النقد يتحول المؤرخ إلى خبير نفسي يثبت درجة مصداقية صاحب الوثيقة ومدى اطلاعه على الأخبار والمنابع التي استقاها منها .
  03 – المرحلة التركيبية للحادثة التاريخية :
     بعد الانتهاء من التدقيق والتمحيص للمصادر عن طريق النقد يلجأ المؤرخ بعد هذا إلى محاولة تركيب الأحداث ترتيبا مكانيا و زمانيا وتنسيقها مع مراعات العلاقة القائمة بينها لآن الأحداث المشتة المنعزلة لا تعطينا علما تاريخيا وإذا ما وجد في ترتيبها بعض الفجوات أو أحداث تاريخية غير موجودة يلجأ إلى ملئها بافتراضاته واستنتاجاته الخاصة المستوحاة من الحقائق التي تحدثت عنها تلك الوثائق ، وعليه في الأخير أن يقيم الحادثة وأن يبرز مدى أهميتها وتأثيرها في مجرى الحياة الاجتماعية .   
   * صحيح أن هذه الدراسة المقارن التي أكد عليها ابن خلدون من شأنها أن تحقق الموضوعية ولو بنسبة معينة إلاّ أن هذا لا يعني تجسيد التجربة العلمية ما دامت الظاهرة التاريخية تمتاز بخصائص مخالفة للظاهرة الطبيعية ، كما أن اعتماد المؤرخ على الفرض لملأ الفجوات يجعل التفسير ذاتي وقد تنحرف الحادثة عن المعنى المقصود لها ، وهذا ما من شأنه أن يؤدي إلى انحراف الحادثة التاريخية عن مقاصدها وبالتالي تحريفها .  
       أما إذا جئنا إلى دراسة الظاهرة الإجتماعية دراسة علمية نجد ابن خلدون من الأوائل الذين عملوا على فهم الظواهر الاجتماعية ودراستها دراسة تجريبية وتجاوز العوائق التي تصادف ذلك ، وأطلق على هذا العلم  إسم " عمران العالم " ، ثم جاء بعده أوغيست كونت زعيم الفلسفة الوضعية وكان هو أول من استعمل اسم " علم الاجتماع " وبعد ذلك تناول إيميل دوركايم الظاهرة الاجتماعية من خلال دراستها دراسة تجريبية قائمة أساسا على تحديد
03

خصائصها ، والعوامل التي تتحكم فيها وأهم الخصائص :
الظاهرة الاجتماعية خارجة عن شعور الأفراد ، ذلك أنهم ليسوا هم من خلقها ، لأن الفرد يولد ويجد المجتمع كاملا أمامه بعاداته وأعرافه وقوانينه وهو يخضع لها فالدين مثلا سابق عن وجود الفرد المؤمن فهو يجده تام التكوين منذ الولادة  ،يقول دوركايم ": لما كان هذا العمل المشترك يتم خارج شعور كل فرد منا فإنه يؤدي بالضرورة إلى تثبيت وتكريس بعض الضروب الخاصة من السلوك والتفكير ، وهي تلك الضروب التي توجد خارجة عنا ، والتي لا تخضع لإرادة أي فرد منا على حدة ." أي أن دوركايم يؤكد على أن علم الإجتماع ما كان له أن يوجد إلاّ عندما شعر المفكرين بأن الظواهر الاجتماعية أشياء ذات وجود حقيقي وبأنه يمكن دراستها حتى وإن لم تكن أشياء مادية بمعنى الكلمة . يقول دوركايم :" إن الظواهر الإجتماعية أشياء ويجب أن تدرس على أنها أشياء ، وإذا أردنا البرهنة على صدق هذه القضية فلسنا في حاجة إلى دراسة طبيعة هذه الظواهر دراسة فلسفية ". ويوضح دوركايم معنى الشيئية بقوله :" إننا لا نقول في الواقع أن الظواهر الاجتماعية أشياء مادية ، ولكننا نقول إنها جديرة بأن توصف بأنها كالظواهر الطبيعية تماما ... ، ومعنى أن نعتبر الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء هو دراستها بنفس الطريقة التي تدرس بها الظواهر الطبيعية ، أن نتحرر من كل فكرة سابقة حول هذه الظواهر ، وأن تأتي معرفتنا بها من الخارج عن طريق الملاحظة والمشاهدة ، وليس من الداخل عن طريق التأمل والاستبطان ، وليس معنى أننا نعالج طائفة خاصة من الظواهر على أنها أشياء هو أننا ندخل هذه الظواهر في طائفة خاصة من الكائنات الطبيعية ، بل معنى ذلك أننا نسلك حيالها مسلكا عقليا خالصا ، أي أننا نأخذ في دراستها وقد تمسكنا بهذا المبدأ الآتي ، وهو أننا نجهل كل سيء عن حقيقتها ، وأننا لا نستطيع الكشف عن خواصها الذاتية وعن الأسباب المجهولة التي تخضع لها عن طريق الملاحظة الداخلية مهما بلغت هذه الطريقة مبلغا كبيرا من الدقة . وهكذا يعتبر دوركايم أن التحرر من كل فكرة سابقة وتفسير الاجتماعي بالاجتماعي واعتبار الظواهر الاجتماعية كأشياء هي مقومات الأسلوب العلمي الوضعي القائم على الوصف والتحليل ومنطق المقارنة ، فلا يقيم وزنا للتخيل والتأمل والاستبطان الداخلي والآراء الذاتية .     
كما نجده أيضا تماتز بأنها ظاهرة إلزامية جبرية ، والأفراد والجماعات ملزمون بتطبيقها ومن يخالفها يتعرض للعقاب يقول دوركايم :" لست مجبرا على استخدام اللغة الفرنسية كآدات للتخاطب مع أبناء وطني ، ولست مضطرا إلى استخدام النقود الرسمية ، ولكن لا أستطيع إلاّ أن أتكلم هذه اللغة وإلاّ أن أستخدم هذه النقود ولو حاولت التخلص من هذه الضرورة لباءت محاولتي بالفشل ." 
هذا ونجدها ظاهرة جماعية تتمثل فيما يسميه دوركايم بالضمير الجمعي ، أي انها لا تنتسب لأي فرد من الأفراد ولا إلى جماعة من الأفراد ، فهي تلقائية عامة يشترك فيها جميع الأفراد ، وتتكرر مدة طويلة من الزمن .
كما تمتاز بأنها حادثة تاريخية تعبر عن لحظة من لحظات تاريخ الاجتماع البشري ، فالعادات والمعتقدات والشرائع التي يتناقلها النشء عن الأجداد هي أساس التراث الاجتماعي
وهكذا توصل دوركايم إلى محاولة تفسير الظاهرة الاجتماعية تفسيرا وضعيا علميا مبتعدا عن الدراسات الفلسفية .
        أما فيما يخص الظاهرة النفسية فترتبط الدراسات العلمية في مجال الدراسات السيكولوجية بإمان علماء النفس بان الموضوعية ليست حكرا على العلوم التجريبية ، وقد كانت للفيزيولوجية آثارا على علم النفس ، وتجسدت المبادرة الأولى مع المدرسة السلوكية بزعامة الأمريكي واطسن الذي استفاد من التجارب التي قام بها العالم الفيزيولوجي الروسي بافلوف المتمثلة في :
  " أخذ بافلوف كلبا وأجرى عليه عملية تشريحية بعد أن ثبت أطرافه كلها ، وأحظر أدوات لالتقاط قطرات اللعاب وقياس مقداره ، فكان يقدم له الطعام ليستثير سيلان اللعاب ، ولاحظ أن هذ الأخير – اللعاب- يأخذ في السيلان عند الحيوان بمقدار معين عندما يضع على لسانه قطعة من اللحم المجفف ، وكان في الوقت الذي يقدم فيه الطعام يقرع الجرس ، وبعد أن كرر التجربة مرات لاحظ أن قرع الجرس وحده كفيل باستثارة سيلان اللعاب ، وقد اختار مصطلح المنعكس الشرطي ليؤكد وجود منعكس تكون فيه الاستجابة مرتبطة بمؤثر ، وقد سمى بافلوف دراسته هذه بفيزيولوجيا الدماغ ." هذه المبادرة التي قام بها بافلوف أثارت اهتمام الباحثين السيكولوجيين في فهم كل عمليات التعلم من عادة وتذكر وإدراك ، الشيء الذي فتح أفاق جديدة في دائرة الدراسات النفسية مع واطسون الذي رفض أن يعنى علم النفس بدراسة المفاهيم الفلسفية والتأملية كالشعور ،والتفكير والعقل داعيا إلى حذف الاستبطان باعتباره المنهاج المعتمد في دراستها ، وأن كل ما قام به التركيبيين هو أنهم استبدلوا كلمة الروح الميتافيزيقية بكلمة الشعور التي تحاكيها غموضا وتماثلها في أنها غير محسوسة وغير قابلة للقياس الشيء الذي جعل الشعور غير قابل للدراسة العلمية ،يقول واطسون ": إن علم النفس كما يرى السلوكي فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية هدفه النظري التنبؤ عن السلوك وضبطه " ... " ويبدو أن الوقت قد حام ليتخلص علم النفس من كل إشارة إلى الشعور ."هذا ما جعل  واطسون يدعو إلى أن تكون مهمة علم النفس دراسة السلوك باعتباره استجابة أو رد فعل على المنبهات التي تنصب عليها من
04
جهة والتنبؤ بالسلوك وضبطه من جهة أخرى ، فالسلوك كما هو معروف أفعال قابلة للملاحظة والقياس ،وهو ما يجعله أساسا صالحا لأن يكون لأن يكون موضوعا لعلم النفس " فإذا لم تكن قادرا على رؤية ما تدرسه وتقيسه إنسَهُ" ، كما أكد واطسون على قيمة البيئة في السلوك وتشكيله وقلل من شأن السلوك الغريزي إن لم ينفه إطلاقا ،فالإنسان صُنعة البيئة والتنشئة حتى إنه بضبط البيئة والتحكم فيها يمكن أن يجعل المربي من أي طفل أي شخصية يريد لهذا فإن التعلم أهم عامل محدد للسلوك .
 النتائج التي وصلت إليها الطريقة السلوكية فتحت أفاقا جديدة في مجال الدراسات النفسية وظهرت مناهج متعددة لتفسير الحادثة النفسية ، وتوسعت ميادين علم النفس " علم النفس الطفل ، الاجتماع ، الحيوان ، ... إلخ " فتمكن علم النفس من تجاوز العقبات والعوائق وبلوغ الموضوعية وظهرت فيه المناهج والنماذج التفسيرية الحديثة .

     النقد
     هذه الدراسات التي قام بها العلماء سواء في الظاهرة التاريخية أو الاجتماعية وحتى النفسية جعلت العلوم الإنسانية تتغنى بالصفة العلمية لكن  تحقيق الموضوعية في الظاهرة التاريخية غير قابل للتحقيق لأن التجرد من العواطف في دراسة التاريخ صعب المنال والأخذ بالمبادرة الشخصية أم ممكن واضطراري لأنه إنسان له مشاعر يشارك بها غيره .الشيء الذي يفتح المجال للاجتهاد الشخصي ، وما لجوء المؤرخ إلى خياله لملأ الفجوات التي تصادفه عند بناء الحادثة التاريخية وترتيبها إلاّ دليل على عدم تحقيق الموضوعية ، لأن العاطفة سوف تتدخل هنا .
  كما أن النظر إلى الظاهرة الاجتماعية من الخارج يمكن من الوصل إلى حقيقتها ، لكن ما يعاب على دوركايم هو عدم تمييزه بين الظاهرة الفيزيائية والظاهرة الاجتماعية ، ذلك أنهما ليسا من طبيعة واحدة ، فالظاهرة الشعورية ليست هي نفسها ظاهرة انصهار المعادن ، كما الظاهرة الاجتماعية ليست خاصة . إضافة إلى ذلك رغم الجهود التي بذلها علماء النفس في المجال المنهجي ، لأن النتائج التي توصلوا إليها ليست ثابتة ، كما أن الحادثة النفسية ليست سلوك يتم بطريقة آلية خاضعة لتأثير المنبه ، لأنه شعور لا سلوك ، وهذا الأخير لا يمكن دراسته دراسة كمية قابلة للقياس ، لأنه يُعرَف ولا يُعَرف ويمتاز بالديمومة لا الانفصال
التركيب
    وعليه يمكن القول إن الباحث في العلوم الإنسانية لا بد أن يكون متأثرا بأحواله الخاصة سواء كان عالما في التاريخ أو علم النفس او علم الاجتماع نتيجة الخصوصية التي تمتاز بها أي ظاهرة مرتبطة بهذه الظاهرة ، لكن في مقابل ذلك نجد أن المنطق العلمي الحديث أعطى للظواهر الإنسانية ميزة علمية من شأنها أن تضع هذه الأخيرة في مصف العلوم لأنها لم تعد ترفا فكريا وثقافيا يمكن الاستغناء عليه ،كون العلوم الإنسانية أصبحت لها أهمية قصوى في عالمنا الراهن والذي طغت عليه المادة ، ذلك أن الإنسان أبح بإمكانه معرفة نفسه بنفسه ، وتحقيق الرفاهية والتقدم بالبحث عن مشكلات الإنسان ووضع حلول إيجابية لها
        في الأخير يمكن القول أن الدراسات العلمية على الظاهرة الإنسانية مرتبطة بالمنهج المتبع وتكييفه حسب الطبيعة   
الظاهرة الإنسانية ، وبالتالي يمكن للدراسات القائمة في مجال العلوم الإنسانية من أن  تخلع على نفسها صفة العلم بالمفهوم الذي ينطبق مع خصوصيات ميدانها ، الشيء الذي جعلها – العلوم الإنسانية – تبرهن على أنها قادرة على تجسيد صفة الموضوعية ولو بنسبة معينة على مستوى معرفة الإنسان لنفسه وتعزيز هويته والرضا بتعايشه مع غيره انطلاقا من الماضي كقاعدة أساسية . 

  

نص السؤال : إذا افترضنا الأطروحة القائلة :" الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية " أطروحة صحيحة وتقرر لديك إبطالها .   فما عساك تفعل ؟
الطريقة : استقصاء بالرفع .
المراحل
    تحليل المقالة
مرحلة طرح المشكلة
       تصادف الفرد جملة من القضايا التي تدفعه إلى التساؤل والإجابة عنها بهدف تحليلها والوصول إلى تصور دقيق حولها مجسداً في حكم منطقي سليم يتقبله الذهن دون تناقض ، ونتيجة ارتباط الحكم بذات الفرد أصبح للميول والرغبات تأثير في ذلك ، الشيء الذي جعل البعض يعتبر أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، لكن الفرد مدني بطبعه ولا يمكن له أن يعيش بمعزل عن الجماعة ، وبالتالي فإن تفكيره من تفكيرهم ، الشيء الذي يجعل الحكم المنطقي غير مرتبط بالحتمية النفسية .
  فما الذي يحملنا على ذلك ؟ وكيف لنا تفنيد صحة النظرة التي تعتبر بأن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ؟    
مرحلة محاولة حل المشكلة
عرض منطق الأطروحة : 
      الحكم هو الوحدة الأساسية في المنطق نتيجة تأديته لوظيفة عقلية تخص الذات المفكرة ، فهو عمل من أعمال الفرد الإرادية ، هذه العملية دفعت بالعديد من الفلاسفة منذ القديم إلى عصرنا هذا إلى اعتبار أن الحكم المنطقي وجوده مرتبط بوجود الذات ، وبالتالي فإن بناءه مرتبط بهذه الحتمية الذاتية ، هذا ما جعل زعيم السفسطائيين قديما بروتاغوراس يقول :" إن الإنسان مقياس كل شيء " فما يراه الشخص بأنه حقيقة يكون فعلاً حقيقة صادقة وليس في ذلك خطأ ، لأنه لا يمكن القول بأن الشيء يحمل صفته في ذاته ، وإنما هو قائم في تصوري أنا له أو تصور غيري أيضا ، هذا إن دل فإنما يدل على أنه لا توجد هناك حقيقة مطلقة وإنما حقائق ما دام الفرد حسب السفسطائيين يعتمد على حواسه كمصدر للمعرفة و بالتالي بناء الأحكام ، إضافة إلى ذلك فإن القوانين المنطقية الأساسية التي تنظم أحكامنا ما هي إلاّ تجريدات وتعميمات لتجارب ذاتية ، فقانون عدم التناقض مثلا ناشئ عن التجربة الحسية التي نشعر فيها يوميا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان ، وأن أحدهما يرفع الأخر وفي هذا الصدد يقول كوندياك " الحكم جمع بين احساسين في الذهن " . وفي السياق نفسه والمؤكد لارتباط الحكم بالذات نجد الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس لا يعتقد بصحة شيء إلاّ إذا رأى نفعه ونجاحه ، لهذا فإن التفكير هو أولاً وآخرًا ، ودائماً من أجل العمل وتصورنا لأي شيء ندركه بالحس ليس في الواقع إلاّ أداة نحقق بها غاية ما ، وبالتالي فإن مقياس الحكم على الأشياء هو أن تحقق هذه الأخيرة منفعة عملية ، وأن كل فكرة أو بحث لا تحمل في طياتها مشروعاً قابل لإنتاج آثار عملية نفعية تعود على الفرد بالفائدة تعتبر خرافة شأنها شأن الكلام الفارغ ، فحتى الحكم على المعتقد الديني حسب هذه النظرية يعتبر صادقا طالما تترتب عنه آثار ونتائج عملية في حياتنا اليومية ، وفي هذا الصدد يقول وليام جيمس :" إن الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدي بنا إلى النجاح في الحياة " وهذا ما يثبت أن الحكم الصحيح والفكرة الصحيحة هما الناجحان واللذان نجني منهما عمل ، وهنا ينزل الحكم إلى الواقع الحسي ، هذا فضلا عن أن الإنسان في بعض الأحيان يستعمل العاطفة في عملية الحكم والاستدلال حيث تسبق النتائج مقدماتها .  والاستدلال بالمماثلة حيث يقس الغائب على الشاهد ، فكم من النظريات الفلسفية التي تفسر الوجود ، وكم هي متضاربة فيما بينها ، وفي مجال العلم نجد غاليلي فسر سرعة سقوط الأجسام عن طريق إقامة علاقة تناسب طردي بينها وبين المسافة التي تقطعها ، وفيما بعد إكتشف هو ذاته أن هذه الفرضية متناقضة ولا بد من الإعراض عنها .
إبطال الأطروحة :
     لكن الإقرار بأن الحكم المنطقي في بنائه يخضع إلى حتمية نفسية يدفعنا على طرح السؤال التالي : هل يمكن أن يعيش بمعزل عن غيره ؟  . هذا السؤال المطروح وما يترتب عنه من إجابات وتفسيرات تؤكد بوجود حقيقة واحدة والتي مفادها أن الحكم المنطقي غير مرتبط بالحتمية النفسية ، وإنما هو عملية يكتسبها الفرد داخل الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ، وليس في جوهره مسألة فردية ولا نفسية ، ذلك أن تفكير الفرد من تفكير الجماعة ، وحتى ضميره من ضمير الجماعة ، هذا ما أكد عليه دوركايم في قوله :" إذا تكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم ." وهذا الإقرار مفاده أن الحكم المنطقي لا يمكن أن يرتبط بالحتمية النفسية ما دام الفرد يتكلم بضمير الجماعة لا بضميره الخاص ، لذا فإن الأحكام التي يتوصل إليها والتي يعبر عنها في قضية منطقية لن يتسنى له بناؤها إلاّ إذا استعمل اللغة التي يتكلم بها المجتمع ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى نجد أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير المعتقدات التي يؤمن بها المجتمع ، وبالتالي فإن مخالفة الفرد لها تترتب عنها نتائج يتحملها الفرد لوحده نتيجة مقاومة ورفض المجتمع لها فغاليلي مثلا قضى فترة زمنية طويلة في إيجاد حل لفكرة أيهما يدور حول الآخر الشمس أم الأرض ،وعندما توصل إلى أن الشمس هي الثابتة والأرض هي التي تدور حولها تعرض لعقاب من المجتمع ، وذلك نتيجة مخالفة الحكم الذي توصله لما كان سائد في المجتمع ، إضافة إلى ذلك نجد أن أفراد المجتمع عند مناقشتهم لمختلف الأمور فيما بينهم ويحكمون على الشيء بالصواب أو الخطأ فلا بد من أن يتفقوا على أوضاع خاصة ومبادئ معينة يأخذون بها وينظمون سلوكهم على أساسها كالإجماع عند المسلمين القائم على عدم معارضة ولو شخص واحد للجماعة وإلاّ بطل الإجماع ، وفي هذا الصدد يقول غوبلو :" إن فكرة الحقيقة لا يمكن أن تفهم ولا أن تفسر إلاّ بالحياة الجماعية ، ومن دونها لا يتعدى الفكر حدود الفرد ، وحينئذ تكون طيبة أو رديئة ، ولكنها لن تكون صائبة ." وعلى أساس هذا التصور يصبح الحكم المنطقي غير مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، بل المجتمع هو مقياس كل شيء لا كما يبدو للفرد ، أو ما يترتب عنه من منفعة فردية ، فالخير والشر من حكم المجتمع والمعتقد الذي يدين ويؤمن به المجتمع ، ومن هذا المنطلق نصل إلى أن مبادئ العقل التي تبدو للبعض من وضع ذهن الفرد هي في حد ذاتها مفروضة عليه من طرف المجتمع ، وعندما كان هذا الأخير غير ثابت بل في تطور مستمر وتغير فإن الحكم يكون حسب المرحلة التي يكون فيها .
       وعندما كان المجتمع متغير فلا بد من تغيير الفرد لتصوراته ، هذه العملية أدت إلى تعدد في المذاهب والاتجاهات المتبعة في بناء مختلف الأحكام حول العديد من القضايا التي تصادف الإنسان يوميا ،فقد تكون فلسفية مثارة في قالب فكري فلسفي مرتبط بآراء ميتافيزيقية ، وقد تكون ذات صبغة علمية مرتبطة بمسايرة هذه الأحكام للتطور العلمي  مما أدى إلى اختلاف منطق كل حكم ، وبالتالي الخضوع إلى إحدى هذه الحتميات ، لكن الهدف يبقى واحد  هو تحديد شروط صحة الإستدلالات التي يقوم بها الفرد . فديكارت مثلا قال :" أن لا أتقبل شيء على أنه كذلك إلاّ إذا بدا لي بالبداهة أنه كذلك ." وهنا تأكيد على أن منطق الحكم عقلي ، لأن البداهة التي يتحدث عنها هنا هي العقل ، وهذا هو أساس المذهب العقلي عند الحكم على الأشياء .
 نقد منطق أنصار الأطروحة :
      ومنه هذا تصبح النظرة التي ذهب إليها ذوي الحتمية النفسية من أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير هذه الأخيرة كما أكد على ذلك الرواقيون ، والسفسطائيين والبراغمتيين ، باعتبار أن الفرد خاضع إلى ذاته في جميع معارفه وأحكامه ، ما دامت الحواس هي مصدر المعرفة ، والفرد يخضع لمختلف الدوافع الذاتية . ما هي  إلاّ نظرة فلسفية غير قابلة للتحقيق في أرض الواقع ، ذلك أن الحكم نشاط ذهني يكون نتيجة عملية استنتاجيه تمكن الفرد من الوصول إلى جوهر الشيء لا ظاهره كما يدعي ذوي الحتمية النفسية ، إضافة إلى ذلك نجد أن الأحكام العلمية تتصف بالموضوعية باعتبار أن هذه الأخيرة الميزة الأساسية للمعرفة العلمية لا الصفة الذاتية التي تجسد من خلالها مختلف الدوافع الذاتية ، وهذا إن دل فإنما يدل على أنه لا يوجد هناك دليل تجريبي أو علمي يثبت صحة ارتباط الحكم بالحتمية النفسية ، وحتى العقل يؤيد ذلك لأن ارتباط الحكم بالذات جعله متعدد ومتنوع ، وبالتالي لا يمكن التأكد من صحته ، إضافة إلى ذلك فإن العقل لا يقر بوجود شيء يحتمل صفتين مختلفتين كأن يكون موجود وغير موجود ، فكيف لنا أن نقول أن الحكم مرتبط في بنائه بالحتمية النفسية والتي تترتب عنها نتائج متعددة ، والحكم الحقيقي لا بد من أن يكون واحد.        
مرحلة حل المشكلة
     ومن هذا كله يمكن القول بأن الحكم المنطقي الحقيقي والذي يتصف بسمة الموضوعية والمنطقية لا يمكن له أن يرتبط بالذات ، وبالتالي فإن القول بخضوعه للحتمية النفسية ليس له ما يبرره ، وعليه فلا يمكننا تقبله والتأكيد على صحته ، وإلاّ فإننا سنقع في تناقض وهذا ما لا يتقبله العقل ، فإذا قلت هذا فعل خير فليس لأنه يبدو لي أنا كذلك ، وعليه تصبح النظرة التي تؤكد على أن الحكم المنطقي مرتبط بتأثير الحتمية النفسية ، نظرة غير قابلة للأخذ بها والإقرار بصحتها .



شكرا لك ولمرورك